بوّب البخاري باب {لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ} كما سيأتي، مع أن الواحدي قد ذكر حديث البخاري في سياق سبب نزول الآية الأولى وهذا هو الراجح، والله أعلم [1] .
ولابن حجر كلام نفيس في الجمع بين أسباب النزول، وأنه لا تعارض بين قصة الشيخين في تخالفها في التأمير في أول السورة {لَا تُقَدِّمُوا} ولكن لما اتصل بها قوله {لَا تَرْفَعُوا} تمسك عمر منها بخفض صوته [2] .
ولعل التصحيح هنا هو أن الله تعالى أمر المؤمنين بأن يلتزموا , «الأدب مع الله تعالى ومع رسوله - صلى الله عليه وسلم -، فأمر سبحانه عباده المؤمنين بما يقتضيه الإيمان بالله وبرسوله من امتثال أوامر الله، واجتناب نواهيه، وألا يتقدَّموا بين يدي رسوله ولا يقولوا حتى يقول، ولا يأمروا حتى يأمر، فإن هذا حقيقة الأدب الواجب مع الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم -» [3] .
* سبب نزول الآية الثانية:
ورد في سبب نزولها قولان:
الأول: أنها نزلت في أبي بكر وعمر رضي الله عنهما في قصة بني تميم، حيث أخرج البخاري رحمه الله عن ابن أبي مليكة قال: (كاد الخيِّران أن يهلكا أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، ورفعا أصواتهما عند النبي - صلى الله عليه وسلم - حين قدم عليه ركب بني تميم، فأشار أحدهما بالأقرع بن حابس أخي بني مجاشع، وأشار الأخر برجل آخر - قال نافع لا أحفظ أسمه - فقال أبو بكر لعمر: ما أردت إلا خلافي، قال: ما أردتُ خلافك، فارتفعت أصواتهما في ذلك، فأنزل الله {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ} . قال ابن الزبير: فما كان عمر ليُسمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعد هذه الآية حتى يستفهمه) ، ولم يذكر ذلك عن أبيه، يعني أبا بكر [4] .
(1) وانظر: كذلك المرجع السابق ص (18 - 19) .
(2) بتصرف من فتح الباري 8/ 456.
(3) تيسير الكريم الرحمن ص 799.
(4) رواه البخاري في كتاب التفسير باب {لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ} حديث رقم (4845) ، وانظر: أسباب النزول للواحدي ص 318 وكذلك سورة الحجرات دارسة تحليلة ص 19، وانظر: تفسير القرآن العظيم 4/ 207.