فهرس الكتاب

الصفحة 76 من 339

«بهذا الأدب الرفيع فأخذوه فرحين وطبقوه مغَتبطين مع أنهم كانوا غلاظًا وكانوا حديثي عهد بجاهلية .. ولكنهم رضي الله عنهم ما كادوا يسمعون لأمر الله عز وجل، إلا وخفِّضت أصواتهم وهدأت مخطاباتهم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم» [1] ؛ وكما تقدم من فعل أبي بكر رضي الله عنه وهذا في حدّ ذاته التصحيح الذي فهموه من القرآن جرّاء خطئهم، بل إنهم رضي الله عنهم فهموا كذلك حرمة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد وفاته وعلموا أن حرمته بعد وفاته كحرمته في حياته، فهذا عمر رضي الله عنه يشدِّد على رجلين سمع صوتهما في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم قد ارتفع فقال: أتدريان أين أنتما؟ ثم قال: من أين أنتما؟ قالا من أهل الطائف، فقال: لو كنتما من أهل المدينة لأوجعتكما ضربًا.، قال ابن كثير بعد أن ساق هذه القصة: «وقال العلماء: يكره رفع الصوت عند قبره صلى الله عليه وسلم كما كان يكره في حياته عليه الصلاة والسلام؛ لأنه محترمٌ حيًا وفي قبره صلى الله عليه وسلم دائمًا» [2] .

قال ابن العربي [3] رحمه الله: «حرمة النبي صلى الله عليه وسلم ميتًا كرحمته حيًا وكلامه المأثور بعد موته في الرفعة مثل كلامه المسموع من لفظه، فإذا قرئ كلامه وجب على كل حاضر ألا يرفع صوته عليه ولا يُعرض عنه، كما كان يلزمه ذلك في مجلسه عند تلفظه به» [4] .

(1) نظرات في سورة الحجرات / الصواف باختصار ص 37.

(2) تفسير القرآن العظيم 4/ 209.

(3) هو أبو بكر محمد بن العربي الأندلسي الإشبيلي المالكي، ولد سنة (468 هـ) وتتلمذ على الغزالي وصَاحَبَهُ، كان فقيهًا عالما، زاهدًا عابدًا، سمع الحديث بعد اشتغاله بالفقه، له تصانيف كثيرة منها: عارضة الأحوذي، أحكام القرآن، العواصم من القواصم، وغيرها. توفي سنة (543 هـ) ، وقيل (545 هـ) .

(انظر ترجمته في: البداية والنهاية: ج 12/ 245، سير أعلام النبلاء: 20/ 197) .

(4) منهج القرآن الكريم في تثبيت الرسول وتكريمه ص 348.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت