وكانت تجري بين ابن النحاس وتلميذه أبي حيان نقاشات، ومن ذلك ما ذكره ابن مكتوم في تذكرته [1] ، قال: سألني بعض الأصحاب عن نصب يمين وشمال من قول أبي الطيب المتنبي [2] :
وأقسم لو صَلَحْتَ يمينَ شيء لما صَلَحَ العبادُ له شِمالا
فأعربتهما تمييزين، ثم ظهر لي بعد ذلك أنهما حالان، وذاكرت بذلك شيخنا بهاء الدين بن النحاس عن نصبهما، فقلت له على الحال، كقولي: أصلحَ لك غلاما وتلميذا؟ فقال: يظهر لي أنه تمييز، قلت له: التمييز الذي على تمام الكلام، وهذا البيت منه على تقديرك لابدّ أن يكون منقولا من فاعل أو من مفعول على رأي، وهذا لا يصلح منه ذلك، ولا في قولي أصلح لك تلميذا؟ فقال: يصح أن يقدر: يصلح لك تلميذيّ، فقلت له: لفظ التلميذ هو الفاعل أو المفعول، والتلميذ مصدر، ولو قدرناه: يصلح لك تلميذيّ، لم يكن معناه معنى: أصلح لك تلميذا؟ قال: وحكى لي الشيخ بهاء الدين أن بعضهم حكى عن المخلص الطوخي [3] أنه أعربه خبر صلح، وجعلها من أخوات صار، وبمعناها، قلت له: هذا لم يثبت عن أهل اللسان فيما علمناه، فلا نقول به 0
أخلاقه ورأي العلماء فيه:
اشتهر بالدين والصدق والعدالة، وكان ثقة حجة، مع عدم التكلف، وصغر العمامة، وكان بعض القضاة إذا انفرد بشهادة حكّمه فيها، وثوقا بدينه، وكان يمشي في الليل بين القصرين بقميص وطاقية [4] ، وكان يلبس ثيابا مقطعة، وكان من أذكياء بني آدم، حسن الأخلاق، فيه ظرف النحاة وانبساطهم، وكان له صورة كبيرة في صدور الناس، معروفا بحل المشكلات، يسعى في مصالح الناس، وكانت له أوراد في العبادة، كثير الذكر، كثير الصلاة والعبادة والمروءة، والترحم على من يعرفه، فهو يترحم على كل من ورد له ذكر في كتابه التعليقة، وكان ينهى عن الخوض في العقائد، وله تودد إلى من ينتمي إلى الخير، وكان لا يكلم أحدا في النحو إلاّ بلهجة العوام (اللهجة الحلبية) ، فلا يراعي الإعراب، لم يتزوج قط، ولم يدخر شيئا، فكان عنده من أصحابه وطلبته من يأكل على
(1) انظر الأشباه والنظائر 5/ 297
(2) انظر التبيان في شرح الديوان المنسوب لأبي البقاء العكبري، وليس له، وإنما هو لتلميذ أبي البقاء علي بن عدلان الموصلي،
3/ 221 من قصيدة مطلعها:
بقائي شاء ليس هُمُ ارتحالا ... وحسنُ الصبر زموا لا الجِمالا
(3) 3 لم أعثر له على ترجمة فيما توافر لي من مصادر
(4) الطاقية: غطاء يوضع على الرأس