ـ 63 ـ
إنما حكم بزيادتها، ولم يجعلها ناقصة، واسمها مستتر فيها، وأحسن زيدًا الجملة في موضع خبر كان، وكان أحسن زيدًا الجملة خبر ما لوجهين:
أحدهما: أن باب كان لا يجوِّز أن يكون فعل التعجب على ما تقدم 0
والثاني: أن خبر ما التعجبية مشروط بأن يكون أفعل، وكان ليس أفعل، فلا يكون فعل التعجب 0
وقوله: ويجوز عندي تقديم معموله المجرور على المنصوب:
هذا الذي اختاره هو مذهب الجرمي [1] ـ رحمه الله ـ ومن تبعه، وعليه أكثر المتأخرين، ومنع من ذلك الأخفش والمبرد وجماعة؛ محتجين بأن ذلك تصرف، ولا يحتمل فعل التعجب التصرف، ويجوز أن يجاب عن ذلك بأنه لمّا لم يتقدم المجرور على فعل التعجب، بل على المفعول، مع توسع العرب في المجرورات والظرف، احتمل ذلك التصرف، إذ ليس فيه كبير أمر، واختلف النحاة في أفعل هاهنا، فذهب البصريون ـ رحمهم الله ـ إلى أنها فعل [2] ، واستدلوا على ذلك بلزوم نون الوقاية لها إذا اتصل بها ضمير المتكلم، نحو: ما أحسنني، إلاّ حكاية شاذة حكاها أبو علي الفارسي ـ رحمه الله ـ من أن بعضهم قال: ما أحسني ولا يلتفت إليها، وذهب الكوفيون ـ رحمهم الله ـ إلى أن أفعل هنا اسم، واستدلوا على ذلك بتصغيره في قولهم [3] :
57 ـ يا مَا أُمَيْلِحَ غِزْلانًا شَدَنَّ لنا ... 0000000000000 (البسيط)
وما روي عن العرب في قولهم: ما أحيسن زيدًا، وبأنه لا يتصرف، وما ذكروه لا دليل فيه، لأنه قد ثبت فعليتها بما ذكرنا من الدلائل، وما ذكروه محتمل التخريج، وأمّا عدم التصرف فللقاعدة التي ذكرناها، وهو أن فعل التعجب تضمن ما ليس له في الأصل، وهو زيادة الوصف، والدلالة على بقاء الوصف إلى الحال، فمنع التصرف لذلك، وأمّا تصغيره فلم يكن لكونه اسمًا، بل لشبهه بالأسماء حين لم يتصرف 0
(1) أبو إسحاق صالح، إمام في النحو بصري، ناظر الفراء في النحو، له مصنفات في النحو منها: الفرخ، وكان يفتي الناس من كتاب سيبويه، توفي سنة خمس وعشرين ومئتين 0 إشارة التعيين، ص 145
(2) المسألة (15) في الإنصاف 1/ 126 ـ 148
(3) قاله العرجي، ونسب لغيره، وتمامه: من هوليائكن الضال والسمر، وشدن الغزال: قوي وطلع قرناه، واستغنى عن أمه، الضال: السدر البري، السمر: جمع سمرة وهو شجر الطلح 0 شرح الجمل ـ ابن عصفور 1/ 113، شرح الأشموني 2/ 21 ... الإنصاف 1/ 127، لباب الإعراب، ص 141، الصحاح مادة (ملح)