فهرس الكتاب

الصفحة 101 من 563

ـ 64 ـ

وقوله: ولمّا لم يكن أمرًا في الحقيقة بل المعنى الخبر:

اختلف النحاة في قولنا أفعل به في التعجب هل معناه أمر أو تعجب؟ مع إجماعهم على أن لفظه لفظ الأمر، فذهب الكوفيون إلى أن معناه أمر كلفظه، وذهب البصريون إلى أن معناه تعجب، على الخلاف في التعجب هل هو إنشاء أو خبر [1] ؟ أما الكوفيون رحمهم الله فدليلهم ظاهر، وهو أن المعنى ينبغي أن يكون على حسب اللفظ، إذا كان اللفظ هو الدال على المعنى بالقياس على غالب الألفاظ، واللفظ بالإجماع أمر، فوجب أن يكون معناه أمرًا [2] ، ليطابق معناه لفظه، وأما البصريون فدليلهم على أن معناه تعجب، هو أن [18 أ] أفعِل هنا لا يبنى إلاّ مما يبنى منه ما أفعله، فدلّ على مناسبة بين أفعل به هنا، وبين ما أفعله، ولا مناسبة في اللفظ بالإجماع، فوجب أن يكون معنى أفعل به تعجبًا، وإلاّ فلا مناسبة حينئذ، وأنه خلاف ما دلّ عليه الدليل، وأيضا فإن العرب قالوا: أقوِم به وأبيع به، فلم يعلوا، كما قالوا: ما أقومه [3] ، وما أبيعه، فلم يعلوا، فدلّ ترك الإعلال على مناسبة بينهما، إلى آخر الدليل الذي مرّ أولًا، فثبت أن لفظه أمر، ومعناه تعجب، وما ذكره الكوفيون من أن الأصل مطابقة المعنى للفظ، قلنا: صدقتم، لكنّ هذا الأصل قد تُرك في مواضع عديدة، فليكن متروكًا هنا، عملًا بما ذكرناه من الدليلين، * لهم أن يقولوا: لم يترك هذا الأصل في موضع إلاّ لحامل، فما الذي حملكم على تركه هنا؟ قلنا: الحامل موجود، وهو أن اللفظ إذا احتيج في فهم معناه إلى إعمال الفكر كان أبلغ وآكد مما إذا لم يكن كذلك، لأن النفس حينئذ تحتاج في فهم المعنى إلى فكر وتعب، فتكون به أكثر كلفًا وضِنّة مما إذا لم تتعب في تحصيله، وباب التعجب موضع المبالغة، فكان في مخالفة المعنى للفظ من المبالغة ما لا يحصل باتفاقهما مخالفًا لذلك، وقد ورد الخبر بلفظ الأمر في قوله تعالى: [فليمدد له الرحمن مدا] [4] * أي: فلَيمدُنَّ منه، وجاء عكس ذلك وهو ورود الدعاء، استدلّ أصحابنا عليهم، وأشار المصنف ـ رحمه الله ـ إلى بعض ذلك، بأنه لو كان أمرًا في المعنى لتحمل ضميرًا هو الفاعل، ولو تحمل ضميرًا لبرز في التثنية والجمع، فلما لم يبرز فيه ضمير التثنية والجمع، دلّ على أنه لا ضمير فيه،

(1) هذه الفقرة من أولها إلى هذا الموضع وردت في الأشباه والنظائر 3/ 354

(2) كتبت أمر

(3) كتب في الهامش: ذكر ابن عصفور في المقرب أن العرب استغنت عن التعجب من قام بالتعجب من غيره

(4) مريم 75، وما بين النجمتين موجود في الأشباه والنظائر 1/ 152 ـ 153

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت