ـ 71 ـ
وقوله: ومتصرفًا:
إنما اشترط التصرف في المصدر، وظرفي الزمان والمكان لأنهن إذا لم يكنّ متصرفات لزمن النصب حينئذ، ومعنى إقامتهن مقام الفاعل رفعهن للنيابة عن الفاعل، فإذا تعذر رفعهنّ، تعذّر إقامتهنّ، ولأن كل واحد من المصدر والظرفين لا يجوز إقامته مقام الفاعل إلاّ بعد اعتقاد خروجه عن المصدرية والظرفية، واعتقاد نصبه مفعولًا به على السعة، وإذا كنّ غير متصرفات، لا يجوز جعلهنّ مفعولات على السعة، فلا يجوز إقامتهن حينئذ مقام الفاعل، ودليل جواز جعلهن مفعولات على السعة قول العرب، رواه سيبويه رحمه الله: ثماني حجج حججتهنّ بيت الله [1] ، وقول الشاعر [2] :
62 ـ ويومًا شَهِدْنَاهُ سُليمًا وعَامِرًا 00000000000000 (الطويل)
وجه الدلالة أن نصب ثماني حجج على المصدر، والضمير في حججتهن عائد عليه، فلو لم يعتقد في الضمير أنه منصوب مفعولًا به على السعة، كما جاز لأن الفعل الواحد لا يكون له مصدران، وكذلك قوله: شهدناه، لولا اعتقاد نصب الضمير مفعولًا به على السعة لوجب أن يقال: شهدنا فيه؛ لأن الضمير المنصوب على الظرف لابدّ من ظهور (في) في لفظه، واشترط بعضهم في الظرف أيضًا الاختصاص، ولم يتعرض المصنف رحمه الله لهذا الشرط، ولا أرى باشتراطه بأسًا 0
وقوله: وأمّا الأولى، ثم قال بعد ذلك: في المفعول المصرح، لم يقم سواه:
يقال هذا واجب، والأولى يُعطى الجواز مع الترجيح، فكيف يجمع بين قوله الأولى، وبين قوله لم يقم سواه؟ قلنا: لا بأس بهذا الكلام؛ لأن قوله لم يقم سواه يعني به وجوب إقامة المصرح، والواجب أولى من غير الواجب؛ لأن الأولى يقال: على الواجب، وعلى الجائز الراجح بالتواطؤ 0 واعلم أن هذه المسألة اختلف النحاة فيها، فذهب البصريون إلى أنه إذا اجتمع المفعول به المصرح وغيره، لا يقوم مقام الفاعل إلاّ المفعول به المصرح لا غير، كما قال المصنف رحمه الله، وذهب الكوفيون إلى جواز إقامة [21 أ] أيهنّ شئت، وقالوا بأولوية المفعول به المصرح، واضطرب نقل الأصحاب عن مذهب الأخفش رحمه الله فقال بعضهم: هو كمذهب الكوفيين، ونقل بعض المغاربة أن مذهب الأخفش أن المفعول
(1) الكتاب 1/ 178
(2) لرجل من بني عامر، وتمامه: قليلًا سوى الطعن النهال نوافله 0 وسليم وعامر: قبيلتان من قيس عيلان، والنهال: المرتوية بالدم
والنوافل: الغنائم 0 ويروى: ويومٍ، قليلٍ 0 الكتاب 1/ 178، المقتضب 3/ 105، المقرب 1/ 147، الكامل، ص 21، ... المفصل، ص 55