ـ 74 ـ
المكان، ثم ظرف الزمان، ثم المصدر المختص، وذلك أن المفعول المقيد لا يحتاج فيه إلى مجاز، فكان أولى من غيره لذلك، ثم بعد ذلك نقول: إن الأولى بالقيام مقام الفاعل ما كانت دلالة الفعل عليه أقل، فإنه إذ ذاك تكون الفائدة بذكره أكثر، وقد قلنا فيما تقدم أن الأصل أن يكون كل واحد من ركني الجملة له فائدة، غيرما يفيدها الركن [22 أ] الآخر، ودلالة الفعل على لفظ المكان أقل من دلالته على الزمان والمصدر، فكان المكان أولى بالإقامة، ثم دلالته على الزمان أقل من دلالته على المصدر إذ كان دلالته على المصدر بحروفه، وعلى الزمان بصيغته، ودلالة الحروف أوضح من دلالة الصيغة، فكان لذلك إقامة ظرف الزمان أولى من إقامة المصدر، وإذا أقمت المفعول المقيد مقام الفاعل، فقلت: سير بزيد، فما الذي تحكم على موضعه بالرفع هنا؟ اختلف النحاة فيه، فذهب البصريون ـ رحمهم الله ـ إلى أن المحكوم على موضعه بالرفع زيد، لأنه ليس معك ما يصلح فيه الإعراب إلاّ زيد، ولم يظهر الرفع في لفظه لاشتغاله بتأثير الجار، فقدّرنا الرفع في محله، كما أنه إذا قلنا: كفى بالله، وما جاءني من أحد، فالمحكوم على موضعه بالرفع هو اسم الله تعالى وأحد، وذهب الفراء ـ رحمه الله ـ إلى أن المحكوم على موضعه بالرفع هو الباء في بزيد، وفرّق بينه وبين ما جاءني من أحد، وكفى بالله، لأن حرف الجر هناك زائد، فالاسم حينئذ هو الفاعل، والباء هنا ليست زائدة، فكانت هي قائمة مقام الفاعل، وما ذكره ليس بشيء؛ لأن الباء حرف لا تستحق إعرابًا، والمفعول القائم مقام الفاعل محَّدث عنه، ولا يُحدَّث عن الحرف، فبان فساد ما ذكره، وذهب بعض النحاة إلى أن القائم مقام الفاعل في قولنا: سير بزيد، ضمير الظرف، وذهب بعضهم إلى أن القائم ضمير المصدر، وما ذكروه فيه إحالة للمسألة من أصلها، فإنهم لم يقولوا: إن الجار والمجرور قائم مقام الفاعل، بل القائم غيره، وأصل المسألة والكلام عليها إنما هو فيما إذا قلنا: إن الجار والمجرور قائم مقام الفاعل، فكأنهم ذكروا مسألة غير المسألة التي نحن فيها 0
وقوله: وإن كان للفعل مفعولات إلى آخره [1] :
ـ 75 ـ
(1) تمام الفقرة: مصرحة، أقمت المصرح لفظا وتقديرا، وتركت المصرح لفظا لا تقديرا 0