اعلم أن تنكير المبتدأ اختلف فيه عبارات النحويين رحمهم الله، فقال ابن السراج رحمه الله: المعتبر في الابتداء بالنكرة حصول الفائدة، فمتى حصلت الفائدة في الكلام، جاز الابتداء بالنكرة، وُجد شيء من الشرائط أو لم يوجد، وقال الجرجاني رحمه الله: يجوز الإخبار عن النكرة بكل أمر لا تشترك النفوس في معرفته، نحو: رجل من بني تميم شاعر أو فارس، فالمجوز عنده شيء واحد، وهو جهالة بعض النفوس ذلك، وما ذكره لا يحصر المواضع التي أنا ذاكرها على ما سيمر بكل إن شاء الله تعالى، وقال شيخنا الإمام العلامة جمال الدين بن عمرون رحمه الله: الضابط في جواز الابتداء بالنكرة قربها من المعرفة لا غير، وفسّر قربها من المعرفة بأحد شيئين: إمّا باختصاصها كالنكرة الموصوفة، أو بكونها في غاية العموم، كقولنا: تمرة خير من جرادة، فعلى هذه الضوابط لا حاجة لنا بتعدد الأماكن، بل نعتبر كل ما يرد، فإن كان جاريًا على الضابط أجزناه (وإلاّ منعناه) [1] ، وإن سلكنا مسلك تعداد الأماكن التي يجوز فيها الابتداء بالنكرة، كما فعل هذا المصنف رحمه الله، وجماعة كثيرة ممن تقدمه من النحاة، فنقول: الأماكن التي يجوز فيها الابتداء بالنكرة تنيف على الثلاثين، وإن لم أر أحدًا من النحاة بلغ بها زائدا عن أربعة وعشرين فيما علمته، فنبدأ من ذلك بالأماكن التي ذكرها المصنف رحمه الله، ثم نسرد البواقي:
ـ أن تكون موصوفة: كقوله تعالى: [ولعبد مؤمن خير من مشرك] [2] ، وهذا تحته نوعان: موصوف بصفة ظاهرة، كما مثّلنا، وموصوف بصفة مقدرة كمسألة: السمن منوان بدرهم، فإنّ تقديرها: منوان منه بدرهم، ومنه في موضع الصفة للمنوين، ولذلك جاز الابتداء بها مع كونها نكرة، وكان ينبغي أن يقول: بشرط أن تكون الصفة محصلة لتخصيص يفيد نفي جهالة [25 ب] وإلاّ فلو قلنا: رجل في الدنيا قائم، لم يستنكر ذلك [3] ، وإن كانت النكرة هنا موصوفة 0
ـ والثالث [4] : خلفا من موصوف، وقد مثّل المصنف رحمه الله عليه 0
ـ والرابع: مقاربة المعرفة في عدم قبول الألف واللام، كقولك: أفضل من زيد ضاحك
ـ والخامس: أن تكون اسم استفهام، نحو: مَن جاءك؟
ـ 83 ـ
(1) ما بين القوسين زيادة من الغيث المسجم 1/ 383، ومن الأشباه والنظائر 3/ 107
(2) البقرة 221
(3) من قوله: وإلاّ فلو 00 إلى قوله ذلك، وردت مكررة 0
(4) قال الثالث ولم يقل الثاني لأنه اعتبر القسم الأول النكرة الموصوفة بصفة ظاهرة، والقسم الثاني النكرة الموصوفة بصفة مقدرة