فهرس الكتاب

الصفحة 126 من 563

إنما اكتفى هنا من الجملتين بضمير واحد؛ لأن الفاء لمّا جعلَت الجملة الأولى سببا للثانية أشبهتا بذلك الشرط والجزاء، فاكتفي منهما بضمير واحد، كما يُكتفى في الشرط والجزاء، ولذلك اشترطنا الفاء دون غيرها من حروف العطف إذا كانت مختصة بالسببية، وأجاز هشام رحمه الله مثل ذلك في الواو الجامعة، وقال: لأن الواو الجامعة تجعل ما قبلها وما بعدها كالشيء الواحد، بدليل قولنا: هذان زيد وعمرو، فليس أحدهما منفردا بالخبرية وإلاّ لكنّا قد أخبرنا عن المثنى بالمفرد، وأجاب أصحابنا عن ذلك بأن حكم الواو الجامعة ما ذكره في المفردات، دون الجمل، بدليل أنه يجوز أن تقول: هذان قائم وقاعد، ولا تقول: يقوم ويقعد، فبان افتراق ما الواو والفاء في ذلك 0

وقوله: وإن كان جامدا لم يحتج إلى ذلك:

يعني أن الجامد لا ضمير فيه إذا وقع خبرا عندنا [1] خلافا للكوفيين رحمهم الله فإنهم يتأولون الجامد بالمشتق، ويحملونه الضمير، نحو: زيدٌ أخوك، أي: مناسبك، وزيد صاحبك، أي: مصادقك، وعندنا لا حاجة إلى هذا الضمير؛ لأنه إن كان من جهة الخبرية، فكونه الأول أقوى في الربط من ضمير، فلا حاجة إلى الضمير حينئذ، وإن كان جهة الاشتقاق، فليس بمشتق فيتحمل ضميرًا، وتأوله بالمشتق ليتحمل الضمير زيادة عمل لا ضرورة تدعو إليها، فالقول بتأوّله بالمشتق، وبحمله الضمير زيادة من غير فائدة، فالسكوت عن ذلك أولى 0

وقوله: لولا:

اعلم أنّ لولا هذه حرف معناها: امتناع الشيء لوجود غيره، وهي مركبة من لو و لا عند أكثر النحاة، فلو معناها: امتناع الشيء لامتناع غيره على ما قيل، والامتناع قريب من النفي في المعنى، ولا للنفي، وإذا دخل النفي على النفي صار إيجابا، فدخول لا رفع أحد الامتناعين، ونفي الآخر، فصارت حرف امتناع لوجود لذلك، هذا على قول من رأى بتركيبها، ومن يمنع التركيب في الحروف قال: هذه حرف موضوع لهذا المعنى، كوضع ما للنفي، وهل للاستفهام، ولا يقع بعدها إلاّ الاسم إلاّ في ضرورة على ما سيجيء، ولا يكون الاسم الواقع بعدها إلاّ مرفوعًا، هذا ما لا خلاف فيه، واختلف في رفع الاسم بعدها بماذا؟ فذهب البصريون رحمهم الله إلى أنه مرفوع بالابتداء، وأن خبره لازم الحذف،

ـ 90 ـ

(1) الذين قالوا بذلك هم البصريون، المسألة السابعة، الإنصاف، 1/ 55

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت