فهرس الكتاب
مع الجثة أن تقول: زيد قائما، لأنه بمعنى زيد في حال قيام، وحيث لم يجز ذلك، دلّ على فساد ما ذكروه، وأمّا قولهم: إنه منصوب على الخلاف ففاسد أيضًا، لأن الخلاف لو كان عاملا لعمل حيث وجد، ونحن نرى العرب تقول: ليس زيد قائمًا لكن قاعدٌ، برفع قاعد على الجواز، وما زيد قائمًا لكن قاعدٌ بل قاعدٌ، ترفعه على الوجوب مع كونه مخالفًا لما قبله، فبان فساد ما ذكروه، وفساد النصب على الخلاف مذكور في موضعه من النحو بأحسن بيان، فلا حاجة إلى الإطالة فيه، وأما المذهب المروي عن الكوفيين آخرا، وهو أن الخبر محذوف تقديره ثابت أو موجود ففاسد أيضًا، لأنه تقدير ما ليس في اللفظ دليل عليه كما تقدم، فإنه كما تقديره ثابت، جاز أن يقدر أيضا منفي ومعدوم، وما أشبه ذلك، ولإنه إذ ذاك يكون حذف الخبر جائزا لا واجبا، لأن قائما يكون حينئذ يكون حالا من زيد، والعامل فيه المصدر، فلا تكون الحال سادّة مسدّ الخبر، فلا يلزم حذفه، وإنما يجب حذف الخبر في مثل هذا، إذا سدّت الحال مسده؛ لأن الحال إذ ذاك عوض من الخبر، بدليل أن العرب لا تجمع بينهما، ولا تحذف خبر هذه المصادر إلاّ مع وجود الأحوال للمناسبة التي بين الحال والخبر، لأن أصل الخبر التنكير كالحال ولأن الحال هي صاحبها، كما أن الخبر المفرد هو المبتدأ، والحال مفيدة، كما أن الخبر كذلك، ففهم في عدم اجتماعهما قصد العوضية، ولا تتصور العوضية إلاّ على قول من قدّر الخبر قبل الحال، ولأنك إذا قدرت الخبر ثابت أو موجود، وجعلت قائما حالا من زيد، فلا يخلو إذ ذاك من أن يخبر المخاطب عن ضربٍ قد عهد منك إيقاعه بزيد في حال قيامه، أو عن ضرب لم يعهده منك في تلك الحال، فإن أردت الأول، لم يكن لإخبارك عنه بثابت أو مستقر فائدة، لأنه معلوم عند المخاطب، وإن كان الثاني، لم يكن في الكلام دليل على ذلك المحذوف، لجواز أن يكون التقدير: ضربي زيدا قائما غير ثابت، ولأن في جعْل قائمًا معمول ضربي حذف الخبر برمته كما ذكروا، وفي جعل قائما معمول الخبر حذْف بعض الخبر، وحذف بعض الخبر أولى من حذف جميعه، فظهر فساد ما ذكروه، وأمّا مذهب الأخفش رحمه الله فإنه جعل المصدر الثاني وهو ضربه مضافا إلى المفعول، وفاعله ضمير المتكلم محذوف، على ما ذكر في باب الفاعل، أن المصدر يحذف فاعله إذا كان ضميرا، فيصير كأنه قال: ضربي زيدا ضربه قائما، فإمّا أن يفهم من نفس الخبر عين المفهوم من المبتدأ، فلا يصح، وإمّا يفهم منه أن ضربتَ المطلق مثل: ضربته قائمًا، وهو غير المعنى المفهوم، وإن جعل المصدر مضافا إلى فاعله،
ـ 97 ـ