فهرس الكتاب
صار المفهوم منه غير المطلوب من الكلام، على ما سيبين معنى الكلام حين يبيّن في توجيه كلام سيبويه رحمه الله، دون غيره، وذلك لما ذكرنا من أن اعتقاد الحال معمولة للخبر، بجعل المحذوف بعض الخبر، وهو أولى من حذف جميع الخبر، و*هنا نكتة لطيفة وهو أن الاسم العامل ومعموله يتنزل منزلة المضاف والمضاف إليه في باب النداء وباب لا، فكما يحذف المضاف، ويقام المضاف إليه مقامه، كذلك يحذف العامل، ويبقى معموله، إلاّ أنه لمّا كان الأكثر إذا حذف المضاف، يعرب المضاف إليه بإعرابه، ولا كذلك العامل والمعمول، كثُر حذف المعمول، وقلّ حذف العامل * [1] ، وهذا وإن اشترك فيه مذهب سيبويه والأخفش رحمهما الله، فإن مذهب سيبويه رحمه الله، ينفرد بما أذكره، قال شيخنا الإمام العلامة المرحوم جمال الدين محمد بن عمرون رحمه الله: والذي يوضّح المسألة أن معنى ضربي زيدا قائما، ما ضربت زيدا إلاّ قائما، وهذا المعنى لا يستقيم إلاّ على مذهب سيبويه رحمه الله؛ لأن العامل يتقيد بمعموله، فإذا جعلت الحال من تمام المبتدأ، يكون الإخبار بأن ضربي مقيدا بالقيام، وذا لا ينفي أن يقع الضرب في غير حال القيام، وإذا جعل الحال من جملة الخبر، يكون ضربي زيدًا هذا الذي لم [35 أ] يقيد بحال كائن إذا كان قائما، فلو قدِّر وقوع ضربي في غير حال القيام، يكون مناقضا للإخبار، إذ من المحال وقوع غير المقيد بالحال في زمان، وتخلف شيء منه عن ذلك الزمان إذا أريد به الحقيقة، ثم قال سيبويه رحمه الله في مسألة أكثر شربي السويق ملتوتا، وما أبطلنا به مذهب من يعتقد أن الحال من معمول المصدر يظهر في هذه المسألة أكثر؛ لأن ملتوتا لو جُعل من تمام الشرب، يكون الإخبار حينئذ عن أكثر شرب السويق ملتوت، أنه حاصل، وذلك لا ينفي أكثريةً في غير حال الّلت، والمراد من هذا الكلام أن الأكثرية تقع في حال اللت، ولو وقعت في غير حال اللت، لا يكون في الإخبار كبير فائدة وفي هذه المسألة أمور لا بدّ من التعرض لها، منها: لمَ قدّر الخبر ظرفا دون غيره؟ لأننا نقدر الخبر محذوفا مجاز وتوسع، فالظروف أحمل لذلك من غيرها، ومنها: لمَ قُدِّر ظرف الزمان دون المكان؟ وذلك لأن الحال عوض منه كما ذكرنا، والحال لظرف الزمان أنسب منها لظرف المكان، لأنها توقيت للفعل من جهة المعنى، كما أن الزمان توقيت للفعل ولذلك قدّر سيبويه رحمه الله بإذ في قوله تعالى: [وطائفة قد أهمتهم أنفسهم] [2] فقال:
ـ 98 ـ
(1) ما بين النجمتين في الأشباه والنظائر 2/ 260
(2) آل عمران 154