فهرس الكتاب

الصفحة 138 من 563

مذهب البصريين رحمهم الله في ذلك، بل مقتضى قولهم جواز تقديم الحال إن قدر الخبر مقدما على المصدر، ووجوب تأخيره إن قدّر الخبر مؤخرا؛ لأن العامل عندهم في الحال كان المقدّرة، وهي مضاف إليها الظرف، والمضاف لا يعمل فيها قبل المضاف إليه، قال ابن الدهان رحمه الله في كتابه الشامل في شرح الإيضاح: ولا يمتنع عندي في القياس قائما ضربي زيدا، لأن خبر المبتدأ في هذه المسألة يتقدم على المبتدأ، ومنها أنه يجوز أن تسد الحال مسد الخبر إذا كان الخبر جثة، لأن الخبر المقدر لا يكون إلاّ ظرف زمان كما تقدم، وظروف الزمان لا تكون أخبارا للجثة، ومنها: هل يجوز لضمير المصدر أن تسد الحال مسد خبره؟ ذهب البصريون والكسائي من الكوفيين رحمهم الله أجمعين إلى أن ضمير المصدر جارٍ مجراه في ذلك، نحو قولك: أكلي التفاحة وهو نضيجة، فأكلي مبتدأ والتفاحة مفعوله، وهو مبتدأ، وهو ضمير المصدر الذي هو أكلي، و نضيجة حال سدت مسد خبر الضمير، والضمير وخبره خبر المصدر الذي هو أكلي، وزعم الفراء رحمه الله أن ضمير المصدر كالجثة، نحو زيد وعمرو، لا يرفعه إلاّ ما يرفع زيدا وعمرا، وكان الذي حمله على ذلك كون الحال عنده بمنزلة الشرط، والشرط إنما يخبر به عن المصدر، لا عن ضميره، وذلك باطل، وقد تقدم تبيين بطلانه، وقال ابن عصفور رحمه الله: وسواء في ذلك المصدر وغيره، ما لم يكن جثة، إلاّ أن مجيء ذلك في المصدر أكثر كما ذكرته، ومما يدل على مجيئه في غير المصدر قول الشاعر [1] :

87 ـ خَيالٌ لأمِّ السلسبيلِ ودُونَهُ مَسيرةُ شهرٍ للبَريدِ المُذبْذِبِ 0 (الطويل)

فخيال مبتدأ، ولأم السلسبيل صفة له، ولا يكون خبرا لأنه لا مسوغ للابتداء بها إلاّ وصفها بالمجرور، والجملة التي هي: ودونه مسيرة شهر، سادة مسد خبره، وساغ ذلك لأن الخيال لا حقيقة له جسمية، فجرى مجرى المصادر، ومنها أنه لا يجوز أن تسد الحال مسد خبر أن الناصبة للفعل، وإن كانت بتأويل المصدر، من جهة أن الحال إنما سدّ مسد الخبر إذا كان ظرف زمان، وظرف الزمان لا يكون خبرا لأن والفعل، وإلى ما ذكرنا من المنع ذهب الكسائي والفراء وهشام رحمهم الله أجمعين، وعللوه بأنها لمّا عملت فيما بعدها أشبهت الأدوات، وبعدت عن المصادر، فلم يجز فيها ما جاز في المصادر، وهذا التعليل فيه نظر، فإن المصدر أيضا عامل فيما بعده، فالصحيح ما ذكرنا من التعليل، ومنها

ـ 102 ـ

(1) للبعيث بن حريث 0 ام السلسبيل: امرأة، والبريد: الدابة المركوبة، والمذبذب: المجد المسرع وقيل الذي لا يستقر 0 ديوان الحماسة 1/ 141، شواهد الكشاف، ص 323، تذكرة النحاة، ص 652، الخزانة 2/ 277

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت