فبنونا خبر مقدم، وبنو أبنائنا مبتدأ، ولا يجوز العكس لفساد المعنى، إذ كان يصير المعنى إنّ ابني هو ابن ابني، وهذا غير مستقيم، وإذا جعلنا بنو أبنائنا مبتدأ، وبنونا هو الخبر يصير المعنى، بنو أبنائنا هم بنونا، وابن الابن يقال له ابن، فيستقيم المعنى على هذا، ولا يقال لابن ابنٍ ابنٌ، ومثله قول أبي تمام في قصيدته التي أولها [1] :
متى أنت عن ذهلية القوم ذاهل، في وصف القلم:
93 ـ لُعابُ الأفَاعِي القاتلاتِ لُعابُهُ 0000000000000 (الطويل)
فلعابه مبتدأ، ولعاب الأفاعي خبر مقدم 0
وقوله: متساوي الرتبة:
احتراز مما إذا كان أحدهما [38 أ] أعرف، فإن للنحاة في مثل هذا قولين:
أحدهما: أن يُجعل المتقدم مبتدأ، وإن كان أقل تعريفا، والمتأخر الخبر، وإن كان أكثر تعريفا 0
والثاني ...: أن يُجعل الأعرف مبتدأ متقدما كان أو متأخرا، والأقل تعريفاخبرا أين كان 0
وبالجملة فإذا كان الكلام إنما وضع لإفادة السامع، فحيث فُهمت الفائدة المطلوبة، روعي اللفظ الذي يعطيها، ألا ترى أن المعنى حمل أبا الفتح بن جني رحمه الله على أن جعل المبتدأ نكرة، فنجعله كذلك، ولذلك قالوا: لا يلزم انحصار الصداقة في زيد في هذه الصورة، بخلاف قولك: صديقي زيد، فإنا لا يمكننا أن نجعل الخبر الذي هو زيد أعم من المبتدأ، فما بقي إلاّ أن نجعل زيدًا مساويا لصديقي الذي هو المبتدأ، وإلاّ لكان الخبر أخص من المبتدأ، وإنه غير جائز، وإذا أثبت أنه مساوٍ لزم انحصار الصداقة في زيد ضرورة أن كل من هو صديقي مساوٍ لزيد، فيكون زيدا، فينحصر، وكذلك لا ينحصر ملء العين في الحبيب إلاّ إذا جعل ملء العين مبتدأ، وحبيبها خبرا، وقد أوضحه الشيخ حيث قال: إذا جعل حبيبها الخبر، لا يكون ملء العين أعم من الحبيب، لاستحالة كون المبتدأ أعم من الخبر، لو قلت: الحيوان إنسان، ولا تريد بعض الحيوان، بل جميع الحيوان، كان كذبا بخلاف قولك: الإنسان حيوان، لأن معناه الإنسان موصوف بأنه حيوان، لأن الخبر صفة في المعنى، ولا كذلك بالعكس، ونحوه لو قلت: قريشٌ عربٌ، وتريد الحقيقة، كان كذبا
ـ 106 ـ
(1) قال هذه القصيدة في مدح محمد بن عبد الملك الزيات، وتمام مطلع القصيدة: وقلبك منها مدّة الدهر آهل، وأما بيت الشاهد الذي يصف فيه القلم فتمامه: وأري الجنا اشتارته أيدٍ عواسل 0 الذهل: السلو أو النسيان لشغل، لعاب الأفاعي: سمها، الأري: العسل ... واشتار العسل: جناه، والعواسل جمع عاسلة وهي ذات العمل الصالح يستحلى الثناء عليها به 0 شرح ديوان أبي تمام، ص 240