فقال: لا أعلم لأصحابنا رحمهم الله في ذلك فرقا محصِّلا، والذي عندي في ذلك أنّ عرفت معناها العلم الموصول إليه من جهة المشاعر والحواس بمنزلة أدركت معناها العلم، وعلمتُ من غير جهة المشاعر والحواس بذلك على ما ذكرنا في عرفت قوله تعالى: ... [يُعرف المجرمون بسيماهم] [1] والسيما تدرك بالحواس والمشاعر، وكذلك في ذكر [الجنة عرّفها لهم] [2] أي: طيَّب رائحتها لهم، من العَرف وهو الرائحة، إنما تعلم من جهة الحاسة، وكقوله [3] :
122 ـ أوَ كُلَّما وردتْ عُكاظَ قبيلةٌ بعثوا إليَّ عريفَهم يتوسَّمُ 0 (الكامل)
قلت له: أفيجوز أن تقول عرفت ما كان ضده في اللفظ أنكرت، وعلمت ما كان ضده في اللفظ جهلت، فإذا أريد بعلمت العلم المعاقِبة عبارته للإنكار، تعدت إلى مفعول واحد، وإذا أريد بعلمت العلم المعاقبة عبارته الجهل، تعدت إلى مفعولين، ويكون هذا فرقا بينهما صحيحا، لأن أنكرت ليست بمعنى جهلت، لأن الإنكار قد يُضامُّ العلم، والجهل لا يضام العلم، ولأنه إنما ينكر الإنسان ما يعلمه، ولا يصح أن ينكر ما قد جهله، ولأن الجهل يكون في القلب فقط، والإنكار يكون باللسان، وإن وصف القلب به كقولك: أنكره قلبي، كان مجازا، وكون الإنكار باللسان دلالة على أن المعرفة متعلقة بالمشاعر، فقال: هذا صحيح، ووجدت بمعنى أصبت يتعدى إلى مفعول واحد، وبمعنى حزنت يتعدى بحرف جر، نحو: وجدت عليه، وزعمت بمعنى قول يتبعه اعتقاد يتعدى إلى مفعولين، وبمعنى كفلت
ـ 151 ـ
يتعدى إلى واحد، وبمعنى قلت يتعدى إلى جملة، ورأيت بمعنى أبصرت، أو ضربت رئته يتعدى إلى مفعول واحد، وبمعنى اعتقدت، تقول: فلان يرى رأي [53 أ] أبي حنيفة رضي الله عنه، أي يعتقده اعتقاده، وبمعنى المشورة، تقول: أنا أرى لك أن تفعل كذا، أي أشير عليك به، يتعدى إلى واحد 0
وقوله: وجعل بمعنى صيّر:
(1) الرحمن 41
(2) محمد 6
(3) لطريف بن تميم العنبري، وقيل لطريف بن عمرو العنبري، ويتوسم: يتثبت في النظر ليتبين الشخص 0 المنصف 3/ 66، الكتاب 4/ 7، الأصمعيات، ص 127، شرح شواهد الشافية، ص 370، الاقتضاب 3/ 408