سبقت هذه الآي للدلالة على قدرة الله سبحانه وتعالى، فهي من حيث الدلالة على ذلك شيء واحد، فجاز أن تكون إحداهما توكيدا للأخرى، والجواب عن الأبيات كلها بأن نقول: كل ما فيها مجرور، فليس جره بالعطف، بل بجار مقدر محذوف، لدلالة الأول عليه إمّا حرف، أو اسم مضاف، على أنا نقول في قوله: فليس بآتيك منهيها، ما قاله سيبويه رحمه الله، وهو: إن قاصر مجرور بالعطف على بآتيك، ومأمورها مرتفع بقاصر، والضمير المضاف إليه مأمورها يعود إلى اسم ليس، وهو منهيها، وأنّثه وإن كان عائدا إلى المنهي، وهو مذكر، لمّا كان المنهي مضافا إلى الضمير المؤنث العائد إلى الأمور، والمنهي بعضا، فصار كقولهم: ذهبت بعض أصابعه، فتأنث الضمير العائد على اسم ليس حينئذ للحمل على المعنى، ومنه قراءة من قرأ: [تلتقطه بعض السيارة] [1] بتأنيث تلتقطه فإن قيل ما ذكرت من الحجج يصحح الإعراب، ولكن لا يوافق المعنى، لأنه يصير التقدير حينئذ: ولا قاصر عنك مأمور المنهي، وليس المعنى عليه، بل المعنى مأمور الأمور، لا مأمور المنهي، كما أن المنهي يضاف [2] إلى المأمور، كذلك فالجواب بأنه ليس هذا أول موضع خالف الإعراب فيه المعنى فإن ذلك كثير كقولهم: أهلك والليل، وغيره من المواضع أي: بادر أهلك قبل الليل، أو: ايت، ولنا أن نقول فيه تخريجين آخرين: أحدهما أن اسم ليس ضمير فيها يعود على المأمور، وبآتيك خبر ليس، ومنهيها مرفوع به، والضمير يعود على الأمور وهي مؤنثة، وقاصر حينئذ مجرور بالعطف على آتيك، فهو خبر لليس أيضا، ومأمورها مرتفع بقاصر، والضمير أيضا يعود على اسم ليس المضمر فيها، فهو ضمير المأمور، وليس في هذا أكثر من تذكير ضمير الأمور، وكان ينبغي أن يقول: فليست، فيكون تذكيره للشعر، كقول الشاعر [3] :
181 ـ 00000000000 ولا أرضَ أبْقلَ إبْقالَها 0 (المتقارب)
ـ 262 ـ
ولم يقل أبقلت، التخريج الثاني وليس بالقوي، وهو أن تقول: في ليس ضمير الشأن، وهو اسمها، ومنهيها مرفوع بآتيك، وقاصر معطوف على آتيك، ومأمورها مرفوع به،
(1) يوسف 10، والقراءة بالتاء هي قراءة الحسن البصري، وقد قرأ بها ابن كثير وقتادة 0 مختصر في شواذ القرآن، ص 62
(2) كتبت: يضف
(3) لعامر بن جوين الطائي، وصدره: فلا مزنة ودقت ودقها، والمزنة: السحابة المثقلة بالماء، الودق: المطر، أبقل: أنبت البقل وهو النبات 0 شفاء العليل، ص 178، فرحة الأديب، ص 101، شرح أبيات سيبويه ـ أبو جعفر النحاس، ص 149، التنبيهات ـ علي بن حمزة، ص 303، الخصائص 2/ 411، شرح المفصل 5/ 94