قوله: إلاّ النكرات فإنها لا تؤكد:
هذا مذهبنا ما عدا الأخفش رحمه الله، خلافا للكوفيين رحمهم الله، فإنهم أجازوا تأكيد النكرة إذا كانت محدودة، ويعنون بالمحدود المؤكد بكل وأجمع، دون غيرهما من ألفاظ التوكيد، واستدلوا على ذلك بقول الشاعر [1] :
183 ـ أرْمِي عليها وهيَ فَرْعٌ أجمعُ وهيَ ثلاثُ أذرعٍ وإصْبَعُ 0 (الرجز)
وبقول الشاعر [2] :
184 ـ 000000000000 يومًا جديدًا كُلَّهُ مُطَرَّدَا 0 (الرجز)
وبقول الشاعر [3] :
185 ـ حتى إذا خَطَّافَنا تَقَعْقَعا ... وصَرَّتِ البَكْرَةُ يومًا أجْمعا 0 (الرجز)
كما أنشده المصنف [87 أ] رحمه الله، وبقول الشاعر أيضا أنشده المصنف [4] :
186 ـ يا ليتني كنتُ صبيًا مُرْضَعا ... تحملني الذَّلفاءُ حَوْلًا أكْتَعا 0 (الرجز)
ولنا أن التوكيد بكل وأجمع إنما هما لرفع المجاز، الذي يوهم التجزيء، والنكرة لم يثبت لها عين، فرفع عنها المجاز، لأن رفع المجاز لا يكون إلاّ عن شيء لم يثبت عينه، وأيضا فإن النكرة إلى التعريف أحوج منها إلى التوكيد بكل، فتعريفها حينئذ أولى من تأكيدها، حتى تعرف حقيقتها وتثبت، ثم بعد ذلك تؤكدها، وما ذكروه من الشواهد لا دليل لهم فيها، أمّا قوله: وهي فرع أجمع، فلا نسلم أن أجمع توكيد لفرع، بل هي توكيد للضمير الذي في فرع، لأن فرعا بمعنى لينة، وذكر التوكيد حملا على المعنى، لأن
ـ 268 ـ
القوس في المعنى عود، وأمّا قوله: جديدا كله، فلا نسلم أن كله هنا توكيد ليوما، بل للضمير الذي في جديدا إن رفعنا كلا، أو هو بدل ارتضاه، وأمّا قوله: يوما أجمعا، فإنه لا
(1) الرجز لحميد الأرقط في وصف القوس 0 الكتاب 4/ 226، تذكرة النحاة، ص 280، شرح الجمل ـ ابن عصفور 1/ 268، الخصائص 2/ 307، اللسان مادة (رمى، علا، فرع، ذرع)
(2) لم يعز لقائل، وهو من شواهد ابن يعيش، وصدره: إذا العَقُود كرَّ فيها حَفَدا 0 والعقود: البكر من الإبل حين يركب، وحفد: خف في العمل وأسرع، واليوم المطرد: الطويل 0 تذكرة النحاة، ص 641، الإنصاف، ص 452، اللسان مادة ... (طرد)
(3) مجهول القائل، والخطاف: الحديدة المعوجة تكون في جانب البكرة، تقعقعا: تحرك وسمع له صوت، صرّت: صوتت، البكرة: ما يستقى عليها الماء من البئر 0 الإنصاف، ص 455، الأشموني 2/ 84، تذكرة النحاة، ص 641، همع الهوامع 5/ 204
(4) قال ابن عبد ربه في العقد الفريد: نظر أعرابي إلى امرأة حسناء ومعها صبي يبكي، فكلما بكى قبلته، فأنشأ يقول هذا الرجز 0 الذلفاء: وصف مؤنث أذلف من الذلف وهو صغر الأنف واستواء الأرنبة، وأكتع: تام 0 الهمع 5/ 201، المقرب 1/ 240، الأشموني 2/ 84، الخزانة 5/ 168، العقد الفريد 3/ 460، شرح الجمل ـ ابن عصفور 1/ 268