ومما جاء بحرف لا يقتضي التشريك قوله [1] :
207 ـ وهلْ يَرْجِعُ التَّسليمَ أو يَكْشِفُ العَمى
ثلاثُ الأثافِي والرُّسُومُ البَلاقِعُ 0 (الطويل)
وإن طلبته مختلفة فالأول إمّا أن يريد مرفوعا أو لا، فإن كان الأول يريد مرفوعا فاعلا أو مفعولا لم يسم فاعله، نحو قولك: ضربني وضربت زيدا، وأهين وشتمت بكرا، ففي هذه المسألة أيضا ثلاثة مذاهب: سيبويه والكسائي على مذهبهما في المسألة المتقدمة والفراء في مثل هذه يوجب إعمال الأول، ويقول: إن إعمال الثاني يؤدي إمّا للإضمار قبل الذكر، كما يقول سيبويه رحمه الله، أو إلى حذف الفاعل، كما يقول الكسائي رحمه الله، على ما سنذكره فيما بعد، وكل منهما غير جائز عند الفراء، فأوجب إعمال الأول للتخلص من ذلك، وهو محجوج بقول الشاعر [2] :
208 ـ وكمْتًا مُدمَّاةُ كأنَّ مُتُونَها
جَرى فوقَها واسْتَشْعَرَتْ لونَ مُذْهَبِ 0 (الطويل)
فإن سيبويه رحمه الله وغيره من الثقات أنشده بنصب لون، ولا يفيد الفراء رحمه الله إنشاده إياه برفع لون، لأنا نقول له: هبك سلمت لك هذه الرواية، فكيف تصنع برواية النصب، وقد رواها الثقات، ولا سبيل إلى ردّ ما رووه، وهو محجوج بهذا 0
قال شيخنا رحمه الله: ومنع الفراء هذه المسألة مع أنه روى الأبيات المستشهد بها على ذلك، فيحتمل أن يكون منعه راجعا إلى القياس عليها، أو أطلق لا يجوز، ويريد لا يحسن وإلاّ فلا سبيل إلى ردّ ما ثبت عن العرب، ولم يرو أحد من العلماء المتقدمين فيما علمت في هذه المسألة عن الفراء إلاّ إيجاب إعمال الأول، وروى الشيخ جمال الدين محمد بن مالك صاحبنا رحمه الله أن الفراء في مثل هذه المسألة يجيز إعمال الثاني في الظاهر، ويضمر في الأول، كما يقول سيبويه وأصحابه، لكنه إذا أضمر في الأول [115 ب] أوجب أن يكون الضمير بارزا بعد الثاني ومعموله، فيقول مثلًا: ضربني وضربت زيدا هو،
ـ 288 ـ
(1) لذي الرمة، والبلقع الأرض القفر، والعمى يراد به هنا: زوال الآثار من الديار، والرسوم: الآثار غير الشاخصة 0 إصلاح المنطق ص 303، المقتضب 2/ 176، همع الهوامع 5/ 314، الفوائد الضيائية 2/ 11، تذكرة النحاة، ص 344، شرح ابن يعيش
(2) لطفيل بن كعب الغنوي، شاعر جاهلي، الكمت: المشرب بالحمرة، وهو من أوصاف الخيل، جمع كميت، والمدماة: الشديدة الحمرة، متونها: ظهورها جمع متن، استشعرت: كأنها لبست منه شعارا، المذهب: المموه بالذهب 0 الكتاب 1/ 77، الإنصاف 1/ 88، شرح ابن يعيش 1/ 78، الإيضاح في شرح المفصل 1/ 163، المقتضب 4/ 75