فهرس الكتاب
وقول الشاعر [1] :
213 ـ السَّالِكُ الثُّغْرةَِ اليقظانَِ كالِئُها
مَشْيَ الهلوكِ عليها الخيعلُ الفُضُلُ 0 (البسيط)
فجرّوا خرب، ومزمّل، والمرمل، ورفعوا الفضل إتباعا لما قبلهن لقربه، وإن لم يكن المعنى عليه، فإن تراعي العرب القرب مع صحة المعنى أولى، وهذا الذي تسميه النحاة عطفا على الجوار، وينشدون عليه [2] :
214 ـ أطوفُ بها لا أرى غيرَها كما طافَ بالبيعةِ الراهبُ 0 (المتقارب)
وأكثرهم يعتقده مخصوصا بالمجرور، وقد جاء في المرفوع كما أنشدنا في الفُضُل، أنشده بعضهم على أنه من هذا الباب، وإن كان ابن جني رحمه الله وغيره قد خرّجوا لجميع ما ذُكر وجها يخرجه عن الجوار، فإن قالوا: كان أصله خرب جحر، فحذف جحر المضاف، وأقيم الضمير المضاف إليه مقامه، فاتصل بعامله، فاستتر فيه، فتقديره: خرب هو، وكذلك مزمل فيه، فحذف حرف الجر، واتصل الضمير مرفوعا بعامله، فاستتر، وهذا التخريج لا يضيرنا، فإنا إنما استدللنا به على رأي من يجعله على الجوار، ولا نقول بهذا التخريج، وأيضا فقد حملهم مراعاة العرب على أن فضلوا العامل الزائد على العامل الذي ليس بزائد في قولهم: خشنت بصدره وصدر زيد، فجروا صدرا ونصبوه، لكن الجر فيه أكثر بنص سيبويه رحمه الله [3] ، فراعوا صدر المجرور بالباء الزائدة، وجروا لقرب الباء من المعطوف، وبعد الفُضُل، فإذا راعوا الأقرب الزائد، فإن يراعوا الأقرب فيما ليس بزائد أولى، ودليل آخر وهو أن إعمال الأول يلزم منه الفصل بين العامل ومعموله بجملة قطعا، والفصل بين العامل ومعموله بجملة قطعا لا نظير له إلاّ في الاعتراض، والاعتراض لا اعتبار به [116 أ] لقلته، ودليل آخر، وهو أن إعمال الثاني أكثر في كلام العرب بدليل قول سيبويه رحمه الله: ولو لم تحمل الكلام على الآخر لقلت: ضربت وضربوني قومك، وإنما كلامهم: ضربت وضربني قومك، فهذا النص يقتضي أن العرب لا تعمل إلاّ الثاني، لأنه ذكره بلفظ إنما التي هي للحصر، فلو اقتصر عليه لما كان عن عمل الثاني
ـ 290 ـ
(1) للمتنخل الهذلي يرثي ابنه أثيلة 0 والثغرة: موضع المخافة، كالئها: حافظها، الخيعل: ثوب يخاط أحد شقيه ويترك الآخر، الفضل هو الخيعل ليس تحته إزار ولا سراويل، والهلوك من النساء: التي تتبختر في مشيتها 0 الخزانة 5/ 11، تذكرة النحاة، ص 346، الخصائص 2/ 167
(2) لم أتمكن من معرفة قائله 0 تذكرة النحاة، ص 346، الأزهية في علم الحروف، ص 82
(3) الكتاب 1/ 74