فهرس الكتاب
عدول، لكنه قال بعد بأسطار: وقد يجوز ضربت وضربني زيدًا، لأن بعضهم يقول: متى رأيت أو قلت زيدا منطلقا، فذكره في الأول بلفظ إنما كما تقدم، وقوله في الثاني: لأن بعضهم، يدل على أن إعمال الثاني هو الكثير، وإعمال الأول قليل، وهذا إنما قاله سيبويه رحمه الله نقلا عن العرب، بدليل قوله: وإنما كلامهم، والحمل على ما كثر في كلام العرب أولى من الحمل على ما قل، استدل الناس للكوفيين بأدلة منها أن قالوا: إنّ تقدم الأول دليل العناية به، وإبطال عمله، وإعمال الثاني دليل عدم العناية، فيتناقضان، ومنها أنهم قالوا: إنا رأينا العرب تراعي المتقدم في قولهم: عندي ثلاثة ذكور من البط، وعندي ثلاث من البط ذكور، فأتوا بالتاء مع ثلاثة لما تقدم لفظ ذكور، وحذفوها لما تقدم لفظ البط، فدل ذلك على مراعاتهم المتقدم، ومنها أنهم قالوا: رأينا العرب إذا اجتمع طالبان راعوا الأول، بدليل أنه إذا اجتمع القسم والشرط، فإنهم يجعلون الجواب للمتقدم منهما [1] إذا لم يتقدمهما شيء، ولا يجيء خلاف ذلك إلاّ في الشعر، فكذلك ينبغي هنا إذا لم يكن إعمال الأول واجبا أن يكون مختارا، ومنها أنهم قالوا: إن إعمال الثاني يلزم منه الإضمار قبل الذكر كما قلتم، أو الحذف في الفاعل كما قلنا، ولا كذلك إعمال الأول، والمصير إلى ما لا يلزم منه شيء مما ذكرنا أولى من المصير إلى ما يلزم منه ما ذكرنا 0
والجواب عن جميع ما ذكروا، أما الأول، فنقول: إنهم لو أعملوا الأول لراعوه من كل وجه، وأهملوا الثاني من كل وجه، وهذا نقيض الحكمة، بل جعلوا تقدم الأول عناية به من وجه، وإعمال الثاني عناية به من وجه، فأعطوا لكل واحد منهما حصة من العناية، لأنا لا نصير إلى إعمال الثاني إلاّ بعد إعطائنا الأول ما يستحقه [2] إمّا مضمرا فيه إن طلب فاعلا، أو محذوفا معه إن طلب مفعولا، بخلاف إعمال الأول، فإنا نذكر العامل الثاني قبل توفية الأول ما يقتضيه، فلو قيل بما ذكرنا إن إعمال الثاني أتم في الاهتمام بالأول من إعماله، لم نتعد ذلك، وأمّا الجواب عن الثاني فنقول: ما ذكرتم دليل لنا لا لكم، لأن العرب راعت فيه الأقرب إلى العدد فذكّرته إذا تقدم الذكور لكونه أقرب إليه، وأنثته إذا تقدم البط لقربه منه أيضا، ثم ما ذكرتم معارض بقول العرب: علمت لَزيد منطلق، وعلمت أزيد منطلق، وعلمت ما زيد منطلق، فإنهم راعوا الثاني في اللفظ لقربه دون الأول، والجواب عن الثالث هو أن تقول: إذا اجتمع طالبان فلا يخلو إمّا أن يكونا عاملين، أو
ـ 291 ـ
(1) كتبت: منهم، وفي تذكرة النحاة: منهما
(2) وردت هذه العبارة في تذكرة النحاة على النحو التالي: فأعطوا لكل منهما حصة من العناية، على أنا نقول: إعمال الثاني لا يمنع الأول شيئا من العناية على أن لا تصير إلى إعمال الثاني 0