حذف أنْ، وبقي الفعل، فالاختيار عندنا رفع الفعل، وقال الكوفيون يبقى عملها، لأن أنْ محمولة على أنّ المشددة في عمل النصب كما بيّنا، وإذا كانت أنّ التي هي الأصل، لا يجوز حذفها وإبقاء عملها، وأن لا يجوز ذلك في أنْ التي هي فرع عليها أحرى وأولى، مع ضعف عوامل الأفعال عن عوامل الأسماء، وجاء القرآن بترك إعمالها بعد الحذف في قوله تعال: [قل أفغير الله تأمروني أعبد] [1] أي: أن أعبدَ، والقرآن يختارله لا عليه، واحتج الكوفيون بقراءة ابن مسعود رضي الله عنه: [وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدوا إلاّ الله] [2] أي: أن لا تعبدوا إلاّ الله، وبقول الشاعر [3] :
243 ـ ألاَ أيُّهذا الزَّاجِري أحْضُرَ الوَغَى
وأنْ أشهدَ اللَّذاتِ هل أنتَ مُخْلِدي 0 (الطويل)
في رواية من نصب أحضرَ، وبقول الشاعر [4] :
244 ـ فلمْ أرَ مثلَهَا خَباسَةَ واجدٍ
ونَهنهتُ نَفسِي بعدَ ما كدتُ أفُعَلُهْ 0 (الطويل)
والجواب: أمّا قراءة ابن مسعود فشاذة، ويحتمل أن تكون لا فيها للنهي، وأمّا البيتان فشاذان أيضا، وحسب البيت الأول ظهور أنْ في المعطوف، ويحتمل البيت الثاني أن لا يكون منصوبا، بل يكون أصله: أفعلها، يعني الخصلة، فلما حذف الألف نقل الفتحة إلى ما قبل الهاء، كما قال: والكرامة ذات أكرمكم الله به، يريد بها، كما تقدم، وإذا كان بعض العرب قد أبطل عمل أنْ وهي مذكورة في اللفظ تشبيها بما، نحو قراءة مجاهد رضي الله عنه [5] : [أن يتم الرضاعة] [6] بالرفع، وقول الشاعر [7] :
ـ 316 ـ
(1) الزمر 64
(2) البقرة 83 0 قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي (لا يعبدون) بالياء، وقرأ أبو عمرو ونافع وعاصم (لا تعبدون) بالتاء 0 وقرأ ابن مسعود وأبي (لا تعبدوا) بحذف النون 0 السبعة في القراءات، ص 163، الحجة 2/ 121، تفسير ابن كثير 1/ 128
(3) لطرفة بن العبد 0 الوغى: الحرب، أشهد: أحضر 0 الكتاب 3/ 99، الإنصاف، ص 560، شرح المفصل 2/ 7، الخزانة
(4) لعامر بن جوين الطائي، والخباسة بضم الخاء وفتح الباء: الغنيمة، نهنهت نفسي: كففتها وزجرتها 0 الإنصاف، ص 561، شرح شواهد المغني، ص 931، الأشموني 2/ 310، شفاء العليل، ص 938، المقرب 1/ 220، اللسان مادة (خبس)
(5) هو ابن مجاهد وليس مجاهدا، وقد روى ابن مجاهد أنه قُرئ بهذه القراءة، فليست قراءته هو 0 انظر الإنصاف 2/ 563
(6) البقرة 233
(7) لم يسم قائله، ويحكما: كلمة ترحم 0 الإنصاف 2/ 563، الأشموني 2/ 285، شواهد المغني، ص 100، المنصف 1/ 278، الخزانة 8/ 420