فهرس الكتاب

الصفحة 471 من 563

لأنها إذا أدغمت في الميم فلا بدّ من الغنة المشاركة الميم لها في ذلك، ولذلك يقعان في القوافي المكفاة [1] ، نحو قوله [2] :

314 ـ بُنَيَ إنّ البرَّ شيءٌ هَيّنْ المنطقُ الليِّن والطُعَيِّمْ 0 (الرجز)

وإدغامها فيما عدا الميم بغنة وبغير غنة نص عليه سيبويه رحمه الله، وإن كان القراء لا يدغمونها في الراء واللام إلاّ بغير غنة في صحيح رواياتهم ومشهورها، وإذا أبقيت الغنة عند إدغامها فيما عدا النون والميم فعندي في تسمية ذلك إدغاما نظر أمذله [3] على طريق البحث، وهو أن تسمية مثل هذا إخفاء أولى من تسميته إدغاما؛ لأن حقيقة الادغام إن نقلت الحرف الأول إلى لفظ الثاني فتدغمه فيه كما تقدم، ونحن إذا قلنا: من لك، ومن راشد، وأدغمنا النون في اللام، والراء بقلبها راء ولاما، فأي غنة في اللام والراء حتى تكون هنا، وإنما الأحسن في مثل هذا أن يسمى إخفاء إذا بقيت الغنة، وإدغاما إذا لم تبق الغنة، وهذا البحث لم أره لأحد مصرحا به، بل انفردت به زمنا، ثم رأيت السخاوي رحمه الله في شرحه المفصل قد أشار إلى شيء من ذلك إشارة لطيفة، لا تكاد تفهم، فقال: وباقي القراء يظهرون الغنة في الياء والواو، فيمتنع قلب النون ياء أو واوا قلبا خالصا من أجل ظهور الغنة، فيكون ذلك كالإخفاء، قلت: وهذا البحث ليس مختصا بالنون، بل يطرق أيضا حروف الإطباق إذا أدغمت في مالا إطباق فيه كإدغام الطاء والظاء في الجيم، وأبقي إطباقها، فالأحسن أيضا عندي أن يسمى ذلك إخفاء لا إدغاما، لما ذكرت من البحث، واعلم أن النحاة اختلفوا في الغنة الموجودة عند إدغام النون في النون، فقال أبو سعيد رحمه الله [4] : هذه الغنة هي غنة الميم، لا غنة النون، لأن النون قد انقلب إلى لفظ الميم، وصار مخرجها من مخرجها، فالغنة الظاهرة غنة الميم لا غنتها، وذهب ابن كيسان رحمه الله إلى أن الغنة الظاهرة هي غنة النون، قال: لأنها إنما جاز إدغامها فيها من أجلها،

ـ 435 ـ

(1) القوافي المكفاة هي التي اشتملت على الإكفاء، ومعناه في الأصل مأخوذ من كفأت القدر إذا قلبته، فهو مكفوء، وعند العروضيين هو اختلاف الروي بحروف متقاربة المخرج، وسمي هذا الاختلاف إكفاء لأن الشاعر قلب الروي عن طريقه المألوف، وقيل إنما سمي هذا لاختلاف إكفاء أخذا من قولهم: فلان كفء لفلان، أي مماثل له، وذلك لأن أحد الطرفين مماثل للاخر: أي مقارب له في المخرج

(2) أنشده أبو زيد عن امرأة لم يذكر اسمها، ونسب في تهذيب اللغة إلى جدة سفيان 0 وموضع الشاهد في البيت هين والطعيم حيث جاء في أحد البيتين بالنون وفي الثاني بالميم 0 المقتضب 1/ 217، تهذيب اللغة 15/ 370، الخزانة 11/ 325، شرح المفصل 10/ 35، 144، شرح الجمل 2/ 600

(3) مذلت نفسه بالشيء: طابت وسمحت، اللسان مادة (مذل)

(4) يعني السيرافي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت