وكقول الشاعر [1] :
36 ـ نُبِّئتُهُمْ عذَّبوا بالنارِ جارتَهُمْ وهلْ يُعذِبُ الاّ الُله بالنَّارِ 0 (البسيط) فأخر المفعول وهو ما هيجت في الأول، وبالنار في البيت الثاني مع أن الفاعل مقرون بإلاّ فيهما، وفرق بين إنما وما وإلاّ، بأن إنما لا دليل معنا على الحصر في أحدهما إلاّ تأخير المحصور، فلم يجز تقديمه فيه، لئلا يلبس المحصور بغير المحصور، بخلاف ما وإلاّ، فإن اقتران الاسم بإلاّ دليل على الحصر فيه، تقدّم أو تأخر، فلا لبس، وأما دليل البصريين والفراء وابن الأنباري ـ رحمهم الله ـ فإنهم قالوا: لا بدّ أن يتقدم غير المحصور، ويتأخر المحصور؛ ليحصل الفرق بينهما، وإنما جوّزنا تأخير الفاعل إذا كان المفعول هو المقرون بإلاّ لما ذكره الكسائي من البيتين وهما: تزودت، وهل ينبت، ولأن المفعول إذا كان هو المقرون بإلاّ، وأخرنا الفاعل عنه في اللفظ فقلنا: ما ضرب إلاّ عمرا زيدٌ، عُرف أن المقدّم مؤخر في النية، وهو إلاّ عمرًا، والمؤخر وهو زيد الفاعل مقدّم في النية، فحصل للمحصور فيه تأخير من وجه، وهو النية، ولغير المحصور تقديم، فجرى الكلام على ما ينبغي من تقديم غير المحصور، وتأخير المحصور، بخلاف ما إذا كان الحصر في الفاعل، نحو قولنا: ما ضرب عمرًا إلاّ زيدٌ، فإننا هنا لو قدمنا الفاعل، وأخرنا المفعول لقلنا: ما ضرب إلاّ زيدٌ عمرًا، فإنه يكون الفاعل قد وقع في رتبته من التقديم، والمفعول قد وقع في رتبته من التأخير، فلا يكون واحدا منهما منويا به غير موضعه، فلا نكون [2] قد أعطينا الموضع ما يقتضيه من تقديم غير المحصور لفظا أو نية، وتأخر المحصور لفظا أو نية، فلا يجوز حينئذ 0 وأما الجواب عما أنشد الكسائي ـ رحمه الله ـ وقاله، أما البيتان اللذان أنشدهما فالجواب عنهما أنّا لا نسلّم أن (ما هيجت) منصوب بيدري الملفوظ بها في البيت، بل هو منصوب بفعل آخر تقديره درى ما هيجت، وكذلك (بالنار) في البيت الثاني تقديره يعذب وأما قوله إلاّ قرينة دالة على الحصر فيما اقترنت به، فلا يحصل لبس، فنقول: لا نسلم، بل يحصل لبس، وهو أن يُظنّ أننا أردنا الحصر في الاسمين اللذين بعد إلاّ، وكأننا قلنا: ما ضرب أحدٌ أحدًا إلاّ زيدٌ عمرًا، فإننا إذا أردنا هذا المعنى نقول: ما ضرب إلاّ زيدٌ عمرًا
ـ 36 ـ
(1) نسب أبو الفرج هذا البيت إلى يزيد بن الطثرية، ورواية الأغاني: خبرتهم 000 ومن يعذب غير الله بالنار 0 تذكرة النحاة،
ص 335، أوضح المسالك 2/ 130، الأغاني 8/ 172
(2) كتبت يكون