وفي هذا الحديث دليل على أنه لا يجوز دخول العاجز عن تغيير المنكر إلى أماكن الظلم والفسق ومواطن المعاصي والمنكرات من غير ضرورة، فلا يجوز له دخولُ دُور الظلمة، وأماكن المكوس والمصادرات، والحمامات التي أهلها مكشوفو العورات، والأماكن التي يعلم أن فيها نساءً غير مستورات، ويحرم عليه حضور دعوة فيها منكَر لا يستطيع تغييره.
مسألة:
من علم أن بمكانٍ من بلده مناكرَ لا يقدر على إزالتها لا يجب عليه مفارقةُ تلك البلد ولا الهجرة منها، اللهم إلا أن تكون إقامتُه توجب أن يكلَّف الفسادَ، أو يكرَهَ على مساعدة السلاطين، وإعانة الظلمة في الظلم، فتلزمه الهجرةُ من ذلك البلد إن قدر عليها، وتجب عليه؛ فإن الإكراه لا يكون عذرًا في حق من قدر على الهرب من الإكراه.
قال: هذا هو الذي جزم به الغزالي في الإحياء.
قال - تعالى: {أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا} [النساء: 97] .
* قال الإمام القرطبي: في هذه الآية دليل على هِجران الأرض التي يُعمل فيها بالمعاصي، ثم حكى عن الإمام مالك [1] أنه قال: هذه الآية دالةٌ على أنه ليس لأحد المقام بأرضٍ يُسبُّ فيها السلفُ، ويُحكم فيها بغير الحق.
مسألة:
إذا كان الاشتغال بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يمنعه عن الكسب الذي هو طُعمته.
* قال الغزالي: إن كان معه قدرُ كفايته لزمه الاشتغالُ بذلك، ولم يجُزْ له تركُه لطلب الزيادة من الدنيا، وإن كان يحتاج إلى الكسب لقوت يومه فهو عذر له، فيسقط الوجوب عنه لعجزه، والله سبحانه وتعالى أعلم.
(1) (( الإمام مالك بن أنس بن مالك الأصبحي، إمام دار الهجرة، ولد سنة 93، ومات سنة 179.