فهرس الكتاب

الصفحة 232 من 722

الترجيح: الذي يترجح -إن شاء الله- هو القول الثاني: أنه يجوز إفطار من سافر بعد أن استهل عليه شهر رمضان؛ وذلك لقوة أدلتهم وصراحتها ودلالتها على المطلوب، وحديث ابن عباس - رضي الله عنهما - في سفره - صلى الله عليه وسلم - أثناء رمضان وفطره، نص في جواز ذلك.

وأما ما استدل به أصحاب القول الأول فيجاب عنه بما يلي:

أولا: أما استدلالهم بالآية فيناقش من ثلاثة وجوه:

الأول: أن قوله تعالى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} (عام) [1] يدخل فيه الحاضر والمسافر، وقوله بعد ذلك: {وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} (خاص) [2] ,"والخاص مقدم على العام" [3] . فثبت أنه وإن سافر بعد شهود الشهر فإنه يحل له الإفطار [4] .

الثاني: أن الله عز وجل قد أمر من شهد الشهر كله أن يصومه، ولا يقال لمن شهد بعض الشهر أنه شهد الشهر [5] .

الثالث: أن معنى الآية: أن من شهد أول الشهر وآخره فليصم ما دام مقيما، فإن سافر أفطر [6] .

ثم إن السُنَّة قد بينت معنى الآية، فإن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قد بيَّن المراد منها بفعله في غزوة الفتح، إذ صام أول الشهر بالمدينة، وخرج منها صائما حتى بلغ الكديد ثم أفطر، فكان فعله - صلى الله عليه وسلم - في هذه الغزوة -وكانت في العام الثامن من الهجرة- يعتبر من التشريعات المحكمة؛ لأن الصحابة كانوا يتبعون الأحدث فالأحدث من أمره - صلى الله عليه وسلم -.

(1) العام هو: اللفظ المستغرق لجميع ما يصلح له بحسب وضع واحد دفعة. ينظر: إرشاد الفحول 1/ 287.

(2) الخاص هو: اللفظ الدال على مسمى واحد، وقيل هو ما دل على كثرة مخصوصة. والتخصيص هو: إخراج بعض ما كان داخلا تحت العموم، على تقدير عدم المخصص. ينظر: إرشاد الفحول 1/ 352 , 350.

(3) وهذا نوع من أنواع الترجيح. ينظر: إرشاد الفحول 2/ 268.

(4) ينظر: مفاتيح الغيب للرازي 5/ 257.

(5) ينظر: الإشراف لابن المنذر 3/ 146، وشرح البخاري لابن بطال 4/ 86، والمغني 3/ 117.

(6) ينظر: تفسير القرطبي 2/ 299، وفتح القدير للشوكاني 1/ 210، والمجموع 6/ 263.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت