فهرس الكتاب

الصفحة 365 من 722

سبب الخلاف: قال ابن رشد:"والسبب في اختلافهم في ذلك: أنه حكم مسكوت عنه، فيحتمل أن يُشبَّه بالديون، فيعود الوجوب عليه في وقت الإثراء (أي غناه) . ويحتمل أن يقال: لو كان ذلك واجبا عليه لَبَيَّنه له - صلى الله عليه وسلم -" [1] .

أدلة القول الأول: القائلين بسقوط الكفارة عن المعسر.

الدليل الأول: عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: «بينما نحن جلوس عند النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ جاءه رجل فقال: يا رسول الله، هلكت! قال: «ما لك؟ » . قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «هل تجد رقبة تعتقها؟ » . قال: لا. قال: «فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ » . قال: لا. قال: «فهل تجد إطعام ستين مسكينا؟ » . قال: لا. قال: فمكث النبي - صلى الله عليه وسلم -». فبينا نحن على ذلك أُتِيَ النبي - صلى الله عليه وسلم - بعَرَق [2] فيها تمر، قال: «أين السائل؟ » . فقال: أنا. قال: «خذ هذا فتصدق به» . فقال الرجل: على أفقر مني يا رسول الله؟ ! فوالله ما بين لَابَتَيْهَا [3] أهل بيت أفقر من أهل بيتي! فضحك النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى بدت أنيابه، ثم قال: «أطعمه أهلك» [4] .

الدليل الثاني: عن عائشة - رضي الله عنها - أنها قالت: «إن رجلا أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: إنه احترق [5] ! » , قال: «ما لك؟ » . قال: أصبت أهلي في رمضان. فأُتِي النبي - صلى الله عليه وسلم -

(1) بداية المجتهد 2/ 68.

(2) العَرَق: هو زبيل منسوج من نسائج الخوص، وكل شيء مضفور فهو عرق وعرقة بفتح الراء فيهما. ينظر: غريب الحديث لأبي عبيد 1/ 105, النهاية في غريب الحديث 3/ 219.

(3) اللاَّبَة: الحَرَّة، وهي الأرض ذات الحجارة السود. وما بين لابتيها: أي: المدينة؛ لأنها بين حَرَّتَين. ينظر: المصباح المنير 2/ 560، تاج العروس 4/ 223، تهذيب اللغة 15/ 275.

(4) رواه البخاري 3/ 32 رقم 1936, كتاب الصوم, باب إذا جامع في رمضان ولم يكن له شيء فتصدق عليه فليكفر, واللفظ له, ومسلم 2/ 781 رقم 1111, كتاب الصيام, باب تغليظ تحريم الجماع في نهار رمضان، ووجوب الكفارة الكبرى فيه وبيانها، وأنها تجب على الموسر والمعسر ...

(5) قال الحافظ:"كأنه لما اعتقد أن مرتكب الإثم يعذب بالنار أطلق على نفسه أنه احترق لذلك، وقد أثبت النبي - صلى الله عليه وسلم - له هذا الوصف فقال: «أين المحترق؟ » إشارة إلى أنه لو أصر على ذلك لاستحق ذلك". فتح الباري 4/ 162.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت