القول الثاني: لا يفطر وهو باقي على صيامه.
وبه قال: الشافعية في قول [1] ، والحنابلة في المذهب [2] , والظاهرية [3] .
سبب الخلاف: والسبب في اختلافهم -والله أعلم-: هل من تعمد المبالغة في الاستنشاق والاستنثار أو من زاد عن الثلاث في الوضوء، يضمنُ ما ترتب عن فعله أو لا يضمن؟ .
أدلة القول الأول: القائلين يفسد صومه، ويمسك وعليه قضاء ذلك اليوم.
الدليل الأول: عن لَقِيط بْن صَبِرَة [4] - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: ««بالغ في الاستنشاق، إلا أن تكون صائما» [5] .
وجه الاستدلال: أن النهي عن المبالغة التي فيها كمال السنة عند الصوم دليل على أن دخول الماء في حلقه مفسد لصومه [6] .
قال الكاساني:"ومعلوم أن استثناءه حالة الصوم للاحتراز عن فساد الصوم؛ وإلا لم يكن للاستثناء معنى" [7] .
الدليل الثاني: عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: هششت فقَبَّلت وأنا صائم, فقلت: يا رسول الله صنعت اليوم أمرا عظيما، قَبَّلت وأنا صائم, فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «أرأيت لو تمضمضت من الماء وأنت صائم» ، قلت: لا بأس به، قال: «ففيم؟ » [8] .
(1) الحاوي الكبير 3/ 457, التنبيه ص 66، المجموع 6/ 326، كفاية النبيه 6/ 32.
(2) الهداية ص 158، الكافي 1/ 443, الشرح الكبير 3/ 44، المحرر 1/ 229.
(3) المحلى 4/ 349، 435.
(4) هو: لَقِيط بن عامر بن صَبِرة بن عبد الله بن المنتفق، له صحبة، روى عنه: وكيع بن عدس, وابنه عاصم بن لقيط, روى له البخارِي في الأدب، والباقون سوى مسلم. ينظر: الاستيعاب 3/ 1340، الإصابة 5/ 508, وتهذيب الكمال 24/ 248, وتهذيب التهذيب 8/ 456.
(5) رواه أبو داود 2/ 308 رقم 2366, في الصوم, باب الصائم يصب عليه الماء من العطش ويبالغ في الاستنشاق, والترمذي 3/ 146 رقم 788, في الصيام, باب ما جاء في كراهية مبالغة الاستنشاق للصائم, وابن ماجه 1/ 142 رقم 407, في الطهارة, باب المبالغة في الاستنشاق والاستنثار, وصححه الألباني في صحيح أبي داود 1/ 241.
(6) ينظر: المبسوط للسرخسي 3/ 66, والمعتصر من المختصر 1/ 12, وشرح العمدة كتاب الصيام 1/ 469.
(7) بدائع الصنائع 2/ 91.
(8) سبق تخريجه صفحة (269) .