أسردهما سردًا، الحديث الأول: حديث ذاك الرجل الذي جمع أولاده حينما حضره الموت فقال لهم: «أي أب كنت لكم؟ قالوا: خير أب، قال: فإني مذنب مع ربي ولئن قدر الله علي ليعذبني عذابًا شديدًا، فإذا أنا مت فخذوني وحرقوني بالنار، ثم خذوا نصفي فذروه في الريح والنصف الثاني في البحر» فلما مات نفذوا فيه هذه الوصية التي ربما لا يتصور في الجور والبعد عن الشرع أبعد منها: «فقال الله عز وجل لذراته: كوني فلانًا فكان، فقال الله عز وجل له: أي عبدي! ما حملك على ما فعلت؟ قال: ربي خشيتك، قال: اذهب فقد غفرت لك» .
فهذا كفر لا شك أنه كفر، لأنه أوصى بهذه الوصية الجائرة بزعمه: ليضل عن ربه، يذكرنا بقوله تعالى: {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ} [يس: 78] فهذا الرجل يضمن هذه الوصية أن الله عز وجل غير قادر على أن يعيده كما كان بشرًا سويًا، لكن الله أحياه وقال له: كن فلانًا وخاطبه، لكن الله عز وجل وهو العليم بما في الصدور عرف من هذا الإنسان أنه ما فعل فعلته أنه كان جاحدًا للبعث وللنشور وإنما كان الخوف من العذاب المدخر له والمعترف هو به وأنه مستحق له أعمى بصيرته فأوصى بهذه الوصية الجائرة.
أما الحديث الثاني فهو قوله عليه السلام، وهذا أيضًا مهم جدًا وله علاقة بمسألة أهل الفترة، وهذه لها طبعًا مجالس عديدة سبقت وهو قوله عليه السلام: «ما من رجل في هذه الأمة من يهودي أو نصراني يسمع بي ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار» إذًا: هؤلاء الذين لم يسمعوا بالرسول عليه السلام وماتوا كفارًا ماتوا مشركين لا يعذبون على شركهم وعلى ضلالهم، بل أقول أكثر من ذلك تفقهًا في قوله عليه السلام: «يسمع بي» يعني: بحقيقتي؛ لأننا إن تصورنا أن بعض