فإن الولايات المتحدة الأمريكية لن تستطيع من خلال تراجع القدرة الاقتصادية والعسكرية والإيديولوجية بأن تسيطر فعليا وإلى الأبد، على عالم أصبح شديد الاتساع، كثير السكان، متعلما وديمقراطيا، وأصبح تجاوز العقبات الحقيقية أمام الهيمنة الأمريكية المتمثلة بروسيا وأوروبا، واليابان، هدفا صعب المنال لأنه ذو حجم كبير. ومن أجل ذلك على الولايات المتحدة الأمريكية أن تتفاوض مع هؤلاء، وأن تتراجع أمامهم أحيانا، وأن تجد حلا حقيقيا أو خياليا لتبعيتها الاقتصادية التي تقض مضجعها. (1)
فهذه القوة التي نتكلم عنها هي قوة توربينية لابد لها من طاقة ودماء تضخ في عروقها كي تتجدد بها الحياة وتبدأ في التحرك والنشاط وبالتالي الإستمرار. فإن قدرة المرء على الحصول على النتائج المرغوبة من عناصر السكان، والإقليم الجغرافي، والموارد الطبيعية، والقوة الاقتصادية، والقوة العسكرية، والاستقرار السياسي. فالقوة بهذا المفهوم تعني الإمساك بالأوراق الرابحة في اللعبة الدولية، فإذا أظهرت أوراقا قوية، فإن من المحتمل أن يطوي الآخرون ما بأيديهم من أوراق (2)
و إن طبيعة الحياة الاقتصادية في الولايات المتحدة الأمريكية تختلف اختلافا كليا عن مثيلاتها في الدول الصناعية الكبرى، من حيث الاستهلاك المحلي للطاقة ومستلزمات الحياة اليومية. لهذا فهي لا تستطيع أن تعتمد على نشاطاتها الاقتصادية فقط، بل هي في حاجة ماسة إلى المساعدات الخارجية من أجل الحفاظ على مستوى استهلاكها كما سلف ذكره. فهي بحاجة إلى 1 , 5 مليار دولار يومية لتغطية العجز في ميزانها التجاري الذي وصل إلى 4, 5 مليار دولار في عام 2001. فإذا قدرنا حجم العجز التجاري الأمريكي بالنسبة إلى الإنتاج الأمريكي الخام من المواد المصنعة فقط، فإننا نحصل على نتيجة مذهلة تفيد بأن الولايات المتحدة تعتمد على صادرات غير أمريكية في تغطيتها لمستوردات تبلغ 10% من استهلاكها الصناعي، وقد كان هذا العجز الصناعي
(1) إمانويل تود:"ما بعد الإمبراطورية - دراسة في تفكك النظام الأمريكي - ترجمة محمد زکريا إسماعيل، دار الساقي، بيروت، ط 1، 2003، ص 45"
(2) جوزف، س، ناي:"مفارقة القوة الأمريكية، ترجمة د. محمد توفيق البحيري، ط 1/ 2003، ص 31 - 32."