ومن أكبر المستهلكين للسلع الأمريكية، حيث تتزايد أهمية اقتصاد آسيا - كل يوم - بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية والعالم. فعلى سبيل المثال، في العام 1996 كانت حصة آسيا 58% من تجارة الولايات المتحدة الأمريكية مع مجمل أنحاء العالم، فصادرات الولايات المتحدة إلى الصين نمت بمعدل 13% في التسعينات، وتضاعفت استثمارات الولايات المتحدة فيها ثلاث مرات مع نهاية القرن الماضي. وعلى هذا الأساس تعمل الإمبراطورية الأمريكية في تعاملها مع الدول الأسيوية، باعتبار أن سيناريو آسيا هو البديل المناسب والسريع للخروج من الأزمة، والطريق الوحيد للسيطرة على ثرواتها بما فيها بحر قزوين الغني بالنفط.
ولإلقاء النظر على الاستراتيجية الأمريكية الحديثة للسيطرة على القارة الآسيوية ككل، لابد لنا من تقسيم تلك الاستراتيجية إلى قسمين هامين، أولها الطرق السلمية والتدخلات الدبلوماسية تحت مسوغات التبادل التجاري والمساعدات الخارجية ونشر الديمقراطية ومنع انتشار أسلحة الدمار الشامل، وغيرها التي تتخذها الولايات المتحدة الأمريكية كستار فاضح لتلك الاستراتيجية، للتدخل من خلالها إلى تلك المنطقة كما فعلت في أنحاء عديدة من العالم، بهدف على دعم الاستقلال الاقتصادي والسياسي لبلدان جنوب القوقاز وآسيا الوسطى (1)
والقسم الثاني من تلك الإستراتيجية ينحصر في التدخلات العسكرية طويلة أو قصيرة المدي، أي حسب الحاجة، بنفس الأعذار السابقة كنشر الديمقراطية وتحطيم عروش الديكتاتوريات وإنقاذ الضعفاء من الحكومات الجائرة والمستبدة والمحافظة على الأمن والسلم العالميين ومکافحة الإرهاب، كما حدث ذلك في أفغانستان والعراق وغيرها من الدول الأسيوية، رغم انکشاف تلك المسوغات أمام الجميع أن تلك التدخلات ليست سوى مبررات للاستعمار السياسي والاقتصادي. ويشير إلى تلك الاستراتيجية مستشار الأمن القومي ووزير الخارجية السابق هنري كيسينجر في كتابه"هل تحتاج أمريكا إلى سياسة خارجية؟"حيث يقول: إنه"ينبغي على السياسة الأمريكية في آسيا أن تحرر نفسها من الشعارات السطحية وتبدأ بالأفعال على أساس بعض المبادئ العملية"
(1) انظر: محمد بن سعيد الفطيسي:"الإمبراطورية الأمريكية واستراتيجية السيطرة على النفط الأسيوي"المرجع السابق