وبعد الفتح الإسلامي تنقلت المدينة من احتلال إلى احتلال، وتحملت هجمات الغزاة والطامعين الذين سجلوا صفحات قاتمة مريرة في حياتها وما جاورها من المدن في كل الاقليم، بدءًا من السابع للميلاد وحتى القرن الرابع عشر. ونشير هنا إلى أن البيزنطيين احتلوا الرها ومدنا أخرى في بلاد الرافدين بين عامي 942 - 943 م. ولم يرحم المدينة وسكانها الفرنج (الصليبيون) أثناء حملاتهم التدميرية ذات الطابع الاستعماري، وحررها مرة القائد صلاح الدين الأيوبي عام 1182 م، واحتلها التتر والمغول بين الأعوام 1244 - 1260، وأصبحت ردحا من الزمن أطلالا قبل أن يستولي عليها الأتراك في عهد مراد الرابع (1609 - 1640 م) أثناء حروبه مع الفرس وهو السلطان العثماني الذي انتزع بغداد من الفرس عام 1638.
الرها اليوم أورفة في تركيا، عدد سكانها حوالي مئة ألف نسمة وهي خالية من المسيحيين.
ب دينيا: ماضي الرها المسيحي يشكل صفحة مميزة من صفحات التراث والعلم والتقدم في كل بلاد ما بين النهرين.
وتحمل وثيقة تعاليم الرسول أدى بين طياتها خبر وصول المسيحية إلى الرها وانتشارها بعدئذ في كل شبر من أرض الرافدين. ويترك ادي الرسول أثرا في نفوس سكان المدينة والعائلة الحاكمة من خلال سيرته النقية وعظاته الروحية وموهبة الشفاء التي منحت له، وكان ان (( هرع زعماء الكهنة في المدينة .. وهدموا الهياكل التي كانوا يضحون عليها من قبل لنابو و بيل الهيهم ما خلا الهيكل الكبير في وسط المدينة .. وعمدهم ادي .. وحتى اليهود المتضلعون في الشريعة والأنبياء .. اقنعوا هم أيضًا واعتنقوا المذهب المسيحي ) ).
ويشهد اوسابيوس القيصري في تاريخه وقائع ذلك الحدث الهام ويسرد في الفصل الثالث عشر من الكتاب الأول رواية عن ملك الرهاويين واللقاء بين السيد المسيح وممثلي ابجر الحاكم ويقول: (( وليس شيء أفضل من أن تسمعوا الرسائل نفسها التي أخذناها من السجلات الرسمية وترجمناها من اللغة السريانية على النحو التالي ) )ويهمنا أن نعلم هنا أن اوسابيوس المؤرخ يعتمد على ارشيف يفترض أنه كان محفوظا حتى أيامه. وفي الكتاب يثبت أوسابيوس صورة الرسالتين المتبادلتين بين أبجر الحاكم والسيد المسيح، وقد ثبتها أيضًا بنصها السرياني المؤرخون السريان بعد القرن السابع للميلاد.
ولكن هذه (( البركة ) )جرحت مع سرعة دورة الأيام، فبدل أن يبقى الإنسان في الرها وأطرافها مشدودا إلى العبر والعظات، ومرتبطا بالمواقف المشرفة لتكون له منارة ونبراسا وهداية، نراه يتنكر لها ويتجنى عليها ويسلك سبيلا عكس الاتجاه المطلوب وينقلب من رمز لنصر آت للأجيال ومحور لتراث