مرّ معنا في المبحث الأول حديث كعب بن عجرة في الصحيحين، وهو دالٌّ على أنّ النبي - صلّى اللهُ عليهِ وسلَّم - أمر كعب بن عجرة أن يذبح شاةً.
وأمّا حديث عبد الله بن عمر فرواياته يدلّ بعضها على أنّ كعبًا ذبح بقرةً، وبعضُها يدل على أنّ النبي - صلّى اللهُ عليهِ وسلَّم - أمره بذبح بقرة.
وقد حاول بن بطال الجمعَ بين الحديثين، فقال:"أخَذ كعبٌ بأرفع الكفارات، ولم تكن هذه مخالفة للنبي - صلّى اللهُ عليهِ وسلَّم -؛ بل كانتْ موافقةً وزيادة. ففي هذا من الفقه: أنّ من أفتى بأيسر الأشياء وأقل الكفارات له أن يأخذ بأعالي الأمور وأرفع الكفارات؛ كما فعل كعب. والله الموفق" [1] .
ويتضح من كلام ابن بطال أنّه يرى أن كعبًا أُمر بالشاة ولكنه ذبح بقرةً. وقد تعقبه الحافظ ابن حجر بقوله:"قلتُ: هو فرع ثبوت الحديث. ولم يثبتْ" [2] .
ومن هذا نرى أنّ الحافظ ابن حجر لا يرى الجمع؛ بل رجّح حديث كعب بن عجرة؛ لعدم ثبوت حديث ابن عمر. وذهب إلى ذلك أيضًا بدر الدين العيني، فقد قال -بعد سرد روايات حديث ابن عمر- ما نصّه:
(1) البكري، أبو الحسن علي بن خلف بن عبد الملك بن بطال، شرح صحيح البخاري، تحقيق: ياسر بن إبراهيم وإبراهيم الصبيحي (الرياض: مكتبة الرشد، ط 3، 1425 هـ) ، (4/ 474) .
(2) العسقلاني، أحمد ابن حجر، فتح الباري، (4/ 19) .