قال الطبري:"وفيما ذكره ابن عمر زيادة على من روى أنّه أهلّ من البيداء، أو حين علا على شرف البيداء؛ فوجب الأخذ بها؛ فإنّ المسجد بذي الحليفة والبيداء أمامها متصلة بها. والروايات كلها صحيحة، فيكون ابتداء إحرامه من المسجد، ثمّ لما استوى على البيداء أهلّ، وحين علا على شرف البيداء أهلّ، فسمع ذلك منه أقوام، فقالوا: إنّما أهلّ ساعته، وكان النّاس يأتون أرسالًا، فروى كل ما سمع، كما ذكره ابن عباس" [1] .
وقال ابن عبد البر بعد أن ساق حديث سعيد بن جبير وابن عباس:"قد بان بهذا الحديث معنى اختلاف الآثار في هذا الباب، وفيه تهذيب لها وتلخيص وتفسير لما كان ظاهره الاختلاف منها، والأمر في هذا الباب واسع عند جميع العلماء. وبالله التوفيق" [2] .
ذكرنا في المبحث السابق حديث صفوان بن يُعلى وفيه دلالة على منع المحرم من التطيّب لإحرامه أو إستدامة الطيب في بدنه بعد الإحرام؛ لأنّ النبي - صلّى اللهُ عليهِ وسلَّم - أمره بغسل الطيب. وذكرنا أحاديث عائشة رضي الله عنها وفيها دلالة واضحة على أنّها طيبت الرسول - صلّى اللهُ عليهِ وسلَّم - قبل إحرامه، وأنّ الطيب له عين باقية لبعد الإحرام، وأنّها رأت وبيص المسك، وأنّ أزواجه يضمدن جباههن بالمسك، وكان يره الرسول - صلّى اللهُ عليهِ وسلَّم - ولا ينهاهنّ ولا يأمرهن بغسله.
(1) الطبري، أبو العباس أحمد بن عبد الله بن محمد بن أبي بكر، القِرى لقاصد أم القرى، تحقيق: مصطفى السقا، (دار الفكر، الطبعة الثالثة،(1403 هـ 1983 م) ، (ص 102) .
(2) القرطبي، أبو عمر يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر، التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، تحقيق: مصطفى العلوي ومحمد البكري وآخرون، (المغرب: مؤسسة قرطبة، 1387 هـ 1967 م) ، (13/ 171) .