قال الطبري:"ولا تضاد بين هذه الأحاديث وبين أحاديث الفصل قبله؛ لأنّ المشي بين الركنين كان في عمرة القضية، وكان المشركون على قعيقعان أو مما يلي الحجر على ما تقدم ينظرون إليهم، فأمرهم - صلّى اللهُ عليهِ وسلَّم - بالمشي بينهما؛ حيث لا يقع عليهم أبصار المشركين؛ إبقاء عليهم ورفقًا بهم، فلما كان في حجة الوداع أمرهم بإكمال الرمل إلى الحجر، وهو كان آخر فعليه - صلّى اللهُ عليهِ وسلَّم -، فكان العمل عليه" [1] .
وقال ابن الملقن:"حديث ابن عباس السالف قريبًا فيه عدم استيعاب البيت بالرمل، والأحاديث التي ذكرناها مخالفة له، ويجمع بينهما بأن حديث ابن عباس السالف قريبًا كان في عمرة القضاء سنة سبع من الهجرة قبل الفتح، وكان أهلها مشركين حينئذ، وهذه الأحاديث كانت في حجة الوداع سنة عشر من الهجرة، فتعيّن الأخذ بها لتأخرها" [2] .
مرّ معنا في المبحث السابق حديثي جابر بن عبد الله رضي الله عنهما ويدل أحدهما على أنّ النبي - صلّى اللهُ عليهِ وسلَّم - سعى بين الصفا والمروة راكبًا، والآخر يدل على أنّه كان ماشيًا، وفيما يلي سنورد أقوال أهل العلم في درء هذا التعارض الظاهر.
(1) الطبري، أحمد بن عبد الله بن محمد بن أبي بكر، القرى لقاصد أم القرى، (ص 302) .
(2) المصري، عمر بن علي بن أحمد، البدر المنير في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الشرح الكبير، تحقيق: مصطفى أبو الغيط، وعبد الله بن سليمان وياسر كمال، (الرياض: دار الهجرة للنشر والتوزيع، ط 1، 1425 هـ 2004 م) ، (6/ 208) .