من هذه الأسباب أن التسامح الإسلامي هيأ لكثير من أهل الذمة مراكز قوية في النواحي المالية والإدارية، فلم يحسنوا معاملة المسلمين، بل أظهروا التسلط والتعنت والجبروت.
وفي هذا يقول"متز": وكانت الحركات التي يُقصد بها مقاومة النصارى موجهة أولاً إلى محاربة تسلط أهل الذمة على المسلمين. (الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري جـ 1 ص 106) .
ويقول أيضًا: إن أكثر الفتن التي وقعت بين النصارى والمسلمين بمصر ـ يعني في القرون الأولى ـ نشأت عن تجبر المتصرفين الأقباط. (الحضارة الإسلامية ـ المرجع السابق ص 112) .
ومن الأسباب تضخم الثروات لدى كثير من غير المسلمين بصورة أثارت الجماهير المسلمة التي كانت ترى ـ فيما يبدو لنا ـ أن جُلَّ هذه الثروات جُمعت بغير حق، وأُخذت منها بطريق غير مباشر (فقد كان أكثرها من عطايا الخلفاء والولاة) . فمشاعر السخط هنا أقرب إلى المشاعر الطبقية، منها إلى المشاعر الدينية. لنأخذ هذا المثال الذي ذكره"أرنولد"في كتابه"الدعوة إلى الإسلام": رجل مسيحي من مدينة"الرها"يدعى"أثناس"اختاره عبد الملك بن مروان ـ الخليفة الأموي ـ ليكون مؤدبًا لأخيه عبد العزيز ـ وقد رافق أثناس هذا تلميذه إلى مصر عندما عُيِّن واليًا عليها. ويبدو أنه استغل منزلته لدى الوالي، فجمع ثروة طائلة هناك، قيل: إنه امتلك أربعة آلاف من العبيد، كما ملك كثيرًا من الدور والبساتين، وكان الذهب والفضة عنده"كأنها الحصى"ـ على حد تعبير أرنولد. وكان أولاده يأخذون من كل جندي دينارًا عندما يتسلم راتبه. ولما كان جيش مصر قد بلغ حينذاك (30000) ثلاثين ألف جندي فإنه من الممكن أن تُكَوَّنُ فكرة عن الثروة التي جمعها"أثناس"خلال الإحدى والعشرين سنة التي قضاها في هذه البلاد. (الدعوة إلى الإسلام ص 81، 82 ط. ثالثة) .