وأما الطاعنون على القرآن (بالمجاز) فإنهم زعموا أنه كذب. لأن الجدار لا يريد، والقرية لا تُسأل.
وهذا من أشنع جهالاتهم، وأدلّها على سوء نظرهم، وقلة أفهامهم.
ولو كان المجاز كذبا، وكلّ فعل ينسب إلى غير الحيوان باطلا- كان أكثر كلامنا فاسدا، لأنا نقول: نبت البقل، وطالت الشّجرة، وأينعت الثمرة، وأقام الجبل، ورخص السّعر.
وتقول: كان هذا الفعل منك في وقت كذا وكذا والفعل لم يكن وإنما كوّن.
وتقول: كان الله. وكان بمعنى حدث، والله، جل وعزّ: (قبل كل شيء بلا غاية، لم يحدث: فيكون بعد أن لم يكن.
والله تعالى يقول: (فَإِذا عَزَمَ الْأَمْرُ) [سورة محمد: 21] وإنما يعزم عليه.
ويقول تعالى: (فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ) [سورة البقرة: 16] وإنما يربح فيها.
ويقول: (وَجاءُوا عَلى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ) [سورة يوسف: 18] وإنما كذّب به.
ولو قلنا للمنكر لقوله: (جِدارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ) كيف كنت أنت قائلا في جدار رأيته على شفا انهيار: رأيت جدارا ماذا؟ لم يجد بدّا من أن يقول: (جدارا يهمّ أن ينقضّ، أو يكاد أن ينقضّ، أو يقارب أن ينقضّ. وأيّا ما قال فقد جعله فاعلا، ولا أحسبه يصل إلى هذا المعنى في شيء من لغات العجم، إلا بمثل هذه الألفاظ.
وأنشدني السّجستاني عن أبي عبيدة في مثل قول الله: يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ:
يريد الرّمح صدر أبي براء ... ويرغب عن دماء بني عقيل
وأنشد الفرّاء:
إنّ دهرا يلفّ شملي بجمل ... لزمان يهمّ بالإحسان
والعرب تقول: بأرض فلان شجر قد صاح. أي طال، لمّا تبيّن الشّجر للنّاظر بطوله، ودلّ على نفسه- جعله كأنه صائح: لأن الصائح يدلّ على نفسه بصوته.
ومثل قول العجاج:
كالكرم إذ نادى من الكافور ويقال: هذا شجر واعد، إذا نوّر، كأنّه نوّر لمّا وعد أن يثمر. ونبات واعد، إذا أقبل بماء ونضرة.
قال سويد بن كراع:
رعى غير مذعور بهنّ وراقه ... لماع تهاداه الدّكادك واعد
في أشباه لهذا كثيرة، سنذكر ما نحفظ منها في كتابنا هذا مما أتى في كتاب الله، عز وجل، وأمثاله من الشعر، ولغات العرب، وما استعمله الناس في كلامهم.
ونبدأ بباب الاستعارة، لأن أكثر المجاز يقع فيه.