باب ما ادّعي على القرآن من اللحن
وأما ما تعلقوا به من حديث عائشة رضي الله عنها في غلط الكاتب، وحديث عثمان رضي الله عنه: أرى فيه لحنا- فقد تكلم النحويون في هذه الحروف، واعتلوا لكل حرف منها، واستشهدوا الشعر:
فقالوا: في قوله سبحانه: (إِنْ هذانِ لَساحِرانِ) وهي لغة بلحرث بن كعب يقولون: مررت برجلان، وقبضت منه درهمان، وجلست بين يداه، وركبت علاه. وأنشدوا:
تزوّد منّا بين أذناه ضربة ... دعته إلى هابي التّراب عقيم
أي موضع كثير التراب لا ينبت.
وأنشدوا:
أيّ قلوص راكب تراها ... طاروا علاهنّ فطر علاها
على أن القراء قد اختلفوا في قراءة هذا الحرف: فقرأه أبو عمرو بن العلاء، وعيسى بن عمر: «إنّ هذين لساحران» وذهبا إلى أنه غلط من الكاتب كما قالت عائشة.
وكان عاصم الجحدريّ يكتب هذه الأحرف الثلاثة في مصحفه على مثالها في الإمام، فإذا قرأها، قرأ: «إنّ هذين لساحران» ، وقرأ (المقيمون الصلاة) [سورة النساء: 162] ، وقرأ (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئِينَ) [سورة الحج: 17] .
وكان يقرأ أيضا في سورة البقرة: (والصابرون في البأساء والضراء) [سورة البقرة: 177] ويكتبها: الصابرين.
وإنما فرق بين القراءة والكتاب لقول عثمان رحمة الله: أرى فيه لحنا وستقيمه العرب بألسنتها فأقامه بلسانه، وترك الرسم على حاله.
وكان الحجاج وكّل عاصما وناجية بن رمح وعليّ بن أصمع بتتبّع المصاحف، وأمرهم أن يقطعوا كل مصحف وجدوه مخالفا لمصحف عثمان، ويعطوا صاحبه ستين درهما.
خبّرني بذلك أبو حاتم عن الأصمعي قال: وفي ذلك يقول الشاعر:
وإلا رسوم الدّار قفرا كأنّها ... كتاب محاه الباهليّ بن أصمعا
وقرأ بعضهم: [[ (إِنْ هذانِ لَساحِرانِ) [سورة طه: 63] اعتبارا بقراءة أبيّ لأنها في مصحفه:
«إن ذان إلا ساحران» ]] وفي مصحف عبد الله: (وأسرّوا النّجوى أن هذان ساحران) منصوبة بالألف يجعل إِنْ هذانِ تبيينا للنجوى.