فهرس الكتاب

الصفحة 2 من 306

بسم الله الرّحمن الرّحيم قال عبد الله بن مسلم بن قتيبة:

الحمد لله الذي نهج لنا سبل الرّشاد، وهدانا بنور الكتاب، (وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا) [الكهف: 1] بل نزّله قيّما مفصّلا بيّنا لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (42) [فصلت: 42] وشرّفه، وكرّمه، ورفعه وعظّمه، وسماه روحا ورحمة، وشفاء وهدى، ونورا.

وقطع منه بمعجز التّأليف أطماع الكائدين، وأبانه بعجيب النّظم عن حيل المتكلّفين، وجعله متلوّا لا يملّ على طول التّلاوة، ومسموعا لا تمجّه الآذان، وغضّا لا يخلق على كثرة الرد، وعجيبا.

لا تنقضي عجائبه، ومفيدا لا تنقطع فوائده، ونسخ به سالف الكتب.

وجمع الكثير من معانيه في القليل من لفظه، وذلك معنى قول رسول الله، صلّى الله عليه وآله وسلّم: «أوتيت جوامع الكلم» .

فإن شئت أن تعرف ذلك فتدبر قوله سبحانه: (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ(199) [الأعراف: 199] كيف جمع له بهذا الكلام كل خلق عظيم، لأن في (أخذ العفو) : صلة القاطعين، والصفح عن الظالمين، وإعطاء المانعين.

وفي (الأمر بالعرف) : تقوى الله وصلة الأرحام، وصون اللّسان عن الكذب، وغضّ الطّرف عن الحرمات.

وإنما سمّي هذا وما أشبهه (عرفا) و (معروفا) ، لأن كل نفس تعرفه، وكل قلب يطمئنّ إليه.

وفي (الإعراض عن الجاهلين) : الصبر، والحلم، وتنزيه النفس عن مماراة السّفيه، ومنازعة اللّجوج.

وقوله تعالى: إذ ذكر الأرض فقال: (أَخْرَجَ مِنْها ماءَها وَمَرْعاها(31) [النازعات: 31] كيف دلّ بشيئين على جميع ما أخرجه من الأرض قوتا ومتاعا للأنام، من العشب والشجر، والحب والثمر والحطب، والعصف واللّباس، والنّار والملح، لأن النار من العيدان، والملح من الماء.

وينبئك أنه أراد ذلك قوله: (مَتاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعامِكُمْ(33) [النازعات: 33] .

وفكّر في قوله تعالى حين ذكر جنات الأرض فقال: (يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ) [الرعد: 4] كيف دلّ على نفسه ولطفه، ووحدانيته، وهدّى للحجّة على من ضلّ عنه، لأنه لو كان ظهور الثمرة بالماء والتّربة، لوجب في القياس ألا تختلف الطعوم، ولا يقع التّفاضل في الجنس الواحد، إذا نبت في مغرس واحد، وسقي بماء واحد، ولكنّه صنع اللطيف الخبير.

ونحو قوله: (وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوانِكُمْ) [الروم: 22] يريد اختلاف، اللّغات، والمناظر، والهيئات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت