وقالوا في قوله تعالى: (وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ) [سورة الأحزاب: 10] : كيف تبلغ القلب الحلوق، والقلوب إن زال عن موضعه شيئا، مات صاحبه؟
وأكثر ما في القرآن من مثل هذا فإنه يأتي بكاد، فما لم يأت بكاد ففيه إضمارها، كقوله: (وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ) ، وأي كادت من شدّة الخوف تبلغ الحلوق.
وقد يجوز أن يكون أراد: أنها ترجف من شدّة الفزع وتجف ويتصل وجيفها بالحلوق، فكأنها بلغت الحلوق بالوجيب.
وهم يصفون القلوب بالخفقان، والنّزو عند المخافة والذّعر.
قال الشاعر في وصف مفازة تنزو من مخافتها قلوب الأدلّاء:
كأنّ قلوب أدلّائها ... معلّقة بقرون الظّباء
وهذا مثل قوله امرئ القيس:
ولا مثل يوم في قدار ظللته ... كأنّي وأصحابي على قرن أعفرا
أي كأنّا من القلق على قرن ظبي، فنحن لا نستقر ولا نسكن.
وكان بعض أهل اللغة يأخذ على الشعراء أشياء من هذا الفنّ، وينسبها فيه إلى الإفراط وتجاوز المقدار. وما أرى ذلك إلا جائزا حسنا على ما بيّنّاه من مذاهبهم ..
كقول النابغة في وصف سيوف:
تقدّ السّلوقيّ المضاعف نسجه ... وتوقد بالصّفاح نار الحباحب
ذكر أنها تقطع الدّروع التي هذه حالها، والفارس حتى تبلغ الأرض فتورى النار إذا أصابت الحجارة.
وقول النّمر بن تولب في صفة سيف:
تظلّ تحفر عنه إن ضربت به ... بعد الذراعين والسّاقين والهادي
يقول: رسب في الأرض بعد أن قطع ما ذكر، واحتاج أن يحفر عنه ليستخرجه من الأرض.
ومثله قوله مهلهل:
ولولا الرّيح أسمع أهل حجر ... صليل البيض تقرع بالذّكور
وقال قيس بن الخطيم يصف طعنة:
ملكت بها كفّي فأنهرت فتقها ... يرى قائم من دونها ما وراءها
وقال أيضا:
لو أنّك تلقي حنظلا فوق بيضنا ... تدحرج عن ذي سامة المتقارب
يقول: (تراصّ القوم في القتال حتى لو أن ملقيا ألقى على بيضهم حنظلا لجرى عليها كما يجري على الأرض ولم يسقط لشدّة تراصفهم.
و (عن) بمعنى (على) .
وذو سامه: بيضه المذهب. والسّام: عروق الذّهب.
وقول عنترة:
وأنا المنيّة في المواطن كلها ... والطّعن منّي سابق الآجال
وقال بشار:
إذا ما غضبنا غضبة مضريّة ... هتكنا حجاب الشّمس أو قطرت دما
وقال طريح الثقفي:
لو قلت للسّيل: دع طريقك وال ... موج عليه بالهضب يعتلج