وأما تأويلهم في قوله جل وعزّ للسّماء والأرض: (ائْتِيا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ)
إنه عبارة عن تكوينه لهما.
وقوله لجهنم: (هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ) [سورة ق: 30] إنه إخبار عن سعتها - فما يحوج إلى التّعسّف والتماس المخارج بالحيل الضعيفة؟
وما ينفع من وجود ذلك في الآية والآيتين والمعنى والمعنيين- وسائر ما جاء في كتاب الله عزّ وجلّ من هذا الجنس، وفي حديث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم- ممتنع عن مثل هذه التأويلات؟
وما في نطق جهنم ونطق السماء والأرض من العجب؟ والله تبارك وتعالى ينطق الجلود، والأيدي، والأرجل، ويسخّر الجبال والطير، بالتّسبيح. فقال: (إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْراقِ(18) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (19) [سورة ص: 19]
وقال (يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ) [سورة سبأ: 10] أي سبّحن معه. وقال: (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا) [سورة الإسراء: 44] .
وقال في جهنم: (تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ) [سورة الملك: 8] أي تنقطع غيظا عليهم كما تقول: فلان يكاد ينقدّ غيظا عليك، أي ينشق.
وقال: (إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا(12) [سورة الفرقان: 12] .
وروي في الحديث أنها تقول: (قط قط) أي حسبي.
وهذا سليمان عليه السلام يفهم منطق الطّير وقول النّمل، والنمل من الحكل، والحكل ما لا يسمع له صوت. قال رؤية:
لو كنت قد أوتيت علم الحكل ... علم سليمان كلام النّمل
وقال العمانيّ يمدح رجلا:
ويفهم قول الحكل لو أنّ ذرّة ... تساود أخرى لم يفته سوادها
والسّواد: السّرار، جعل قولها سرارا، لأنها لا تصوّت.
وهذا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، تخبره الذّراع المسمومة ويخبره البعير أنّ أهله يجيعونه ويدئبونه.