فهرس الكتاب

الصفحة 270 من 306

تقول العرب إذا أرادت تعظيم مهلك رجل عظيم الشأن، رفيع المكان، عامّ النفع، كثير الصنائع: أظلمت الشمس له، وكسف القمر لفقده، وبكته الرّيح والبرق والسماء والأرض.

يريدون المبالغة في وصف المصيبة به، وأنها قد شملت وعمّت. وليس ذلك بكذب، لأنّهم جميعا متواطئون عليه، والسّامع له يعرف مذهب القائل فيه.

وهكذا يفعلون في كل ما أرادوا أن يعظّموه ويستقصوا صفته. ونيّتهم في قولهم:

أظلمت الشمس، أي كادت تظلم، وكسف القمر، أي كاد يكسف.

ومعنى كاد: همّ أن يفعل ولم يفعل. وربما أظهروا كاد، قال ابن مفرّغ الحميريّ يرثي رجلا:

الرّيح تبكي شجوه ... والبرق يلمع في غمامه

وقال آخر:

الشّمس طالعة ليست بكاسفة ... تبكي عليك، نجوم اللّيل والقمرا

أراد: الشمس طالعة تبكي عليك، وليست مع طلوعها كاسفة النجوم والقمر، لأنّها مظلمة، وإنما تكسف بضوئها، فنجوم الليل بادية بالنهار.

وهذا كقوله النابغة وذكر يوم حرب:

تبدوا كواكبه والشمس طالعة ... لا النّور نور ولا الإظلام إظلام

ونحوه قول طرفة في وصف امرأة:

إن تنوّله فقد تمنعه ... وتريه النّجم يجري بالظّهر

يقول: تشقّ عليه حتى يظلم نهاره فيرى الكواكب ظهرا.

والعامة تقول: أراني فلانّ الكواكب بالنّهار، إذا برّح به.

وقال الأعشى:

رجعت لما رمت مستحسرا ... ترى للكواكب ظهرا وبيصا

أي: رجعت كئيبا حسيرا، قد أظلم عليك نهارك، فأنت ترى الكواكب تعالي النّهار بريقا.

وقد اختلف الناس في قول الله عز وجل: (فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ) .

فذهب به قوم مذاهب العرب في قولهم: بكته الريح والبرق. كأنه يريد أنّ الله عز وجل حين أهلك فرعون وقومه وغرّقهم وأورث منازلهم وجنّاتهم غيرهم- لم يبك عليهم باك، ولم يجزع جازع، ولم يوجد لهم فقد.

وقال آخرون: أراد: فما بكى عليهم أهل السماء ولا أهل الأرض. فأقام السماء والأرض مقام أهلهما، كما قال تعالى: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ) [سورة يوسف: 82] ، أراد أهل القرية.

وقال: (حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزارَها) [سورة محمد: 4] ، أي يضع أهل الحرب السّلاح.

وقال ابن عباس: لكل مؤمن باب في السماء يصعد فيه عمله، وينزل منه رزقه، فإذا مات بكى عليه الباب، وبكت عليه آثاره في الأرض ومصلّاه. والكافر لا يصعد له عمل، ولا يبكي له باب في السماء ولا أثره في الأرض.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت