فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 306

ثم قال: (فَأُولئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ) [النساء: 146] ولم يقل: فأولئك هم المؤمنون.

ثم قال: (وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا) [النساء: 146] ولم يقل وسوف يؤتيهم الله، بغضا لهم، وإعراضا عنهم، وحيدا بالكلام عن ذكرهم.

وقوله في المنافقين: (يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ) [المنافقون: 4] فدلّ على جبنهم، واستشرافهم لكل ناعر، ومرهج على الإسلام وأهله.

وأخذه الشاعر- وأنّى له هذا الاختصار- فقال:

ولو أنّها عصفورة لحسبتها ... مسوّمة تدعو عبيدا وأزنما

يقول: لو طارت عصفورة لحسبتها من جبنك خيلا تدعو هاتين القبيلتين.

وقال الآخر:

ما زلت تحسب كل شيء بعدهم ... خيلا تكرّ عليكم ورجالا

وهذا في القرآن أكثر من أن نستقصيه.

وقد قال قوم بقصور العلم وسوء النظر في قوله تعالى: (وَتَرَى الشَّمْسَ إِذا طَلَعَتْ تَتَزاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذاتَ الْيَمِينِ وَإِذا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذاتَ الشِّمالِ) [الكهف: 17] : وما في هذا الكلام من الفائدة؟

وما في الشمس إذا مالت بالغداة والعشيّ عن الكهف من الخبر؟

ونحن نقول: وأيّ شيء أولى بأن يكون فائدة من هذا الخبر؟ وأيّ معنى ألطف مما أودع الله هذا الكلام؟

وإنما أراد عز وجل: أن يعرّفنا لطفه للفتية، وحفظه إياهم في المهجع، واختياره لهم أصلح المواضع للرّقود، فأعلمنا أنه بوّأهم كهفا في مقنأة الجبل، مستقبلا بنات نعش، فالشمس تزورّ عنه وتستدبره: طالعة، وجارية، وغاربة. ولا تدخل عليهم فتؤذيهم بحرّها وتلفحهم بسمومها، وتغيّر ألوانهم، وتبلي ثيابهم. وأنهم كانوا في فجوة من الكهف- أي متّسع منه- ينالهم فيه نسيم الريح وبردها، وينفي عنهم غمّة الغار وكربه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت