وأما قوله: { نتلو } و { نقص } ، { فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ } [ القيامة: 18 ] ، فهذه الصيغة في كلام العرب للواحد العظيم الذي له أعوان يطيعونه، فإذا فعل أعوانه فعلًا بأمره قال: نحن فعلنا: كما يقول الملك: نحن فتحنا هذا البلد، وهزمنا هذا الجيش، ونحو ذلك؛ لأنه إنما يفعل بأعوانه، واللّه تعالى رب الملائكة، وهم لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون، ولا يعصون اللّه ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، وهو مع هذا خالقهم وخالق أفعالهم وقدرتهم وهو غني عنهم، وليس هو كالملك الذي يفعل أعوانه بقدرة وحركة يستغنون بها عنه، فكان قوله لما فعله بملائكته: نحن فعلنا، أحق وأولى من قول بعض الملوك .
وهذا اللفظ هو من المتشابه، الذي ذكر أن النصارى احتجوا به على النبي صلى الله عليه وسلم، على التثليث، لما وجدوا في القرآن { إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا } [ الفتح: 1 ] ونحو ذلك، فذمهم اللّه حيث تركوا المحكم من القرآن: أن الإله واحد، وتمسكوا بالمتشابه الذي يحتمل الواحد الذي معه نظيره، والذي معه أعوانه الذين هم عبيده وخلقه، واتبعوا المتشابه يبتغون بذلك الفتنة، وهي فتنة القلوب بتوهم آلهة متعددة، وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا اللّه والراسخون في العلم، فإنهما قولان للسلف وكلاهما حق .
فمن قال: إن الراسخين في العلم لا يعلمون تأويله قال: إن تأويله ما يئول إليه وهو ما أخبر القرآن عنه في قوله: ( إنا ) و ( نحن ) ، هم الملائكة الذين هم عباد الرحمن الذين يدبر بهم أمر السماء والأرض، وأولئك لا يعلم عددهم إلا اللّه، ولا يعلم صفتهم غيره، ولا يعلم كيف يأمرهم يفعلون إلا هو، قال تعالى: { وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ } [ المدثر: 31 ] وكل من الملائكة وإن علم حال نفسه وغيره، فلا يعلم جميع الملائكة، ولا جميع ما خلق اللّه من ذلك .