وكذلك ذوات الملائكة تقرب من ذات المحتضر، وقوله: { وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ } [ ق: 16 ] فإنه سبحانه هو وملائكته يعلمون ما توسوس به نفس العبد، كما ثبت في الصحيحين"إذا هم العبد بحسنة فلم يعملها قال اللّه لملائكته: اكتبوها له حسنة، فإن عملها قال: اكتبوها له عشر حسنات، وإذا هَمَّ بسيئة"إلى آخر الحديث . فالملائكة يعلمون ما يهم به من حسنة وسيئة، و [ الهم ] إنما يكون في النفس قبل العمل .
وأبلغ من ذلك أن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم، وهو يوسوس له بما يهواه فيعلم ما تهواه نفسه .
فقوله: { وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ } [ ق: 16 ] هو قرب ذوات الملائكة وقرب علم اللّه منه، وهو رب الملائكة والروح، وهم لا يعلمون شيئًا إلا بأمره؛ فذاتهم أقرب إلى قلب العبد من حبل الوريد، فيجوز أن يكون بعضهم أقرب إليه من بعض؛ ولهذا قال في تمام الآية: { إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ } [ ق: 17- 18 ] ، وهذا كقوله: {أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ } [ الزخرف: 80 ] ، فقوله: [ إذ ] ظرف، فأخبر أنهم { وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ } [ ق: 16 ] حين يتلقى المتلقيان، ما يقول { عن اليمين } قعيد { وعن الشمال قعيد} ثم قال: { مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ } [ ق: 17- 18 ] أي: شاهد لا يغيب .