فلما كان السجود غاية سفول العبد وخضوعه سبح اسم ربه الأعلى، فهو سبحانه الأعلى، والعبد الأسفل، كما أنه الرب، والعبد العبد، وهو الغني، والعبد الفقير، وليس بين الرب والعبد إلا محض العبودية، فكلما كملها قرب العبد إليه؛ لأنه سبحانه بر، جواد محسن، يعطي العبد ما يناسبه، فكلما عظم فقره إليه كان أغنى، وكلما عظم ذله له كان أعز؛ فإن النفس لما فيها من أهوائها المتنوعة وتسويل الشيطان لها تبعد عن اللّه حتى تصير ملعونة بعيدة من الرحمة .
و [ اللعنة ] هي البعد؛ ومن أعظم ذنوبها إرادة العلو في الأرض، والسجود فيه غاية سفولها؛ قال تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ } [ غافر: 60 ] .
وفي الصحيح"لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كِبْر"وقال لإبليس: { فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا } [ الأعراف: 13 ] ، وقال: {وَكَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا } [ التوبة: 40 ] ، فهذا وصف لها ثابت .
لكن من أراد أن يعلى غيرها جوهد، وقال"من قاتل لتكون كلمة اللّه هي العليا فهو في سبيل اللّه"و [ كلمة اللّه ] هي خبره، وأمره، فيكون أمره مطاعًا مقدمًا على أمر غيره، وخبره مصدق مقدم على خبر غيره، وقال: { وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه } [ الأنفال: 39 ] و [ الدين ] هو العبادة والطاعة والذل، ونحو ذلك، يقال: دِنْتُه فَدَانَ: أي ذللته فَذَلّ .
كما قيل: هو دان الرباب أذكر هو الديـ ** ـن دراكا بغزوة وصيال
ثم دانت بعد الرباب وكانت ** كعذاب عقوبة الأقوال