ثالثا: لو أخذنا أقصر سورة من سُور القرآن، وهي سورة الكوثر، لَوجدنا أنها تضمّنت ما اتَّفَقَت عليه الشرائع السماوية، وهي مقاصد القرآن الثلاثة كما يقول الشوكاني: إثبات التوحيد، وإثبات المعاد، وإثبات النبوّات. فضمير التعظيم {إنَّا} إثبات للتوحيد، وإثْبَات العَطاء، وأن الله هو المعطي، إثبات للتوحيد أيضا. {أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ} إخبار عن غيب، وهو مُتضمّن لإثبات الْمَعاد. {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ} إثبات صِدق النبي صلى الله عليه وسلم الْمُسْتَلْزِم إثْبَات نُبوّته. فكان ما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الحقّ والصِّدق، إذ كان مُبْغِضه وشأنه هو الأبتر المقطوع الذي انقطع ذِكْره. مع ما في هذه السورة القصيرة مِن أمْر بالعبادة {فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} . وكان القرآن يتَنَزّل في مكّة، وكان يتضمّن أخبارا عن كُفّار قريش، ولم يَكن بِمقدورهم تكذيبه، ولا إثبات ضدّ ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم. خذ على سبيل المثال: سورة الْمَسَد، وما فيها مِن إخبار عن أبي لهب وأنه هو وزوجته في النار؛ لم يكن بِمقدور أبي لهب إثبات ضدّ ذلك، ولا ادِّعاء الإيمان والإسلام! ومثل ذلك ما جاء في تفسير قوله تعالى: {عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ} ولم يستطع مَن عُني بها إثبات خِلاف ذلك!
رابعا: لَمَّا تَحدّى الله أقحاح العرب وأرباب الفصاحة أن يأتوا بسورة مِن مثل القرآن، عجِزوا عن ذلك لِعلمهم ما تضَمّنه القرآن مِن فصاحة وبيان. وقد امتاز الأسلوب القرآني بِخصائص ليست لِغيره، فمن ذلك:
1-مَسْحَة القرآن اللفظية فإنها مسحة خلابة عجيبة، تتجلى في نظامه الصوتي وجماله اللغوي.