والمقصود هنا: أن قول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر:"إن الله معنا"، هي معية الاختصاص التي تدل على أنه معهم بالنصر والتأييد والإعانة على عدوِّهم، فيكون النبي صلى الله عليه وسلم قد أخبر أن الله ينصرني وينصرك يا أبا بكر على عدوِّنا، ويُعيننا عليهم.
ومعلوم أن نصر الله نصر إكرام ومحبة؛ كما قال تعالى: {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [غَافِرٍ: 51] ، وهذا غاية المدح لأبي بكر؛ إذ دلَّ على أنه ممن شهِد له الرسول بالإيمان المقتضي نصر الله له مع رسوله، وكان متضمنًا شهادة الرسول له بكمال الإيمان المقتضي نصر الله له مع رسوله في مثل هذه الحال التي بيَّن الله فيها غناه عن الخلق، فقال: {إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ} [التَّوْبَةِ: 40] .
ولهذا قال سفيان بن عُيينة وغيره: إن الله عاتب الخلق جميعهم في نبيِّه إلا أبا بكر، وقال: مَن أنكر صحبة أبي بكر، فهو كافر؛ لأنه كذَّب القرآن.
وكذلك قوله:"ما ظنُّك باثنين الله ثالثهما"، بل ظهر اختصاصهما في اللفظ، كما ظهر في المعنى، فكان يقال للنبي صلى الله عليه وسلم: محمد رسول الله، فلما تولَّى أبو بكر بعده، صاروا يقولون: وخليفة رسول الله، فيضيفون الخليفة إلى رسول الله المضاف إلى الله، والمضاف إلى المضاف مضاف تحقيقًا لقوله:"إن الله معنا"، و"ما ظنُّك باثنين الله ثالثهما"، ثم لما تولَّى عمر بعده، صاروا يقولون: أمير المؤمنين، فانقطع الاختصاص الذي امتاز به أبو بكر عن سائر الصحابة.