فهرس الكتاب

الصفحة 889 من 967

فإذا عُرِف أن الصحبة: اسم جنس، تعمُّ قليل الصحبة وكثيرها، وأدناها أن يَصحبه زمنًا قليلًا، فمعلوم أن الصِّديق في ذِروة سَنام الصُّحبة، وأعلى مراتبها، فإنه صحِبه من حين بعثَه الله إلى أن مات، وقد أجمع الناس على أنه أول مَن آمَن به من الرجال الأحرار، كما أجمعوا على أن أول من آمَن به من النساء خديجة، ومن الصبيان علي، ومن الموالي زيد بن حارثة، وتنازعوا في أول من نطَق بالإسلام بعد خديجة، فإن كان أبو بكر أسلم قبل علي، فقد ثبَت أنه أسبق صُحبةً، كما كان أسبق إيمانًا، وإن كان علي أسلَم قبله، فلا ريب أن صحبة أبي بكر للنبي صلى الله عليه وسلم كانت أكمل وأنفع له من صحبة علي ونحوه؛ فإنه شارَكه في الدعوة، فأسلم على يديه أكابر أهل الشورى؛ كعثمان، وطلحة، والزبير، وسعد، وعبدالرحمن، وكان يدفع عنه مَن يؤذيه، ويخرج معه إلى القبائل، ويُعينه في الدعوة، وكان يشتري المعذَّبين في الله؛ كبلال وعمَّار وغيرهما، فإنه اشترى سبعةً من المعذَّبين في الله، فكان أنفع الناس له في صُحبته مطلقًا.

ولا نزاع بين أهل العلم بحال النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، أن مصاحبة أبي بكر له كانت أكمل من مصاحبة سائر الصحابة من وجوه:

أحدها: أنه كان أدوم اجتماعًا به ليلًا ونهارًا، وسفرًا وحضرًا؛ كما في"الصحيحين"عن عائشة أنها قالت:"لم أعقل أبوَي قط إلا وهما يَدينان الدين، ولم يَمض علينا يوم إلا ورسول الله صلى الله عليه وسلم يأتينا فيه طرَفي النهار".

فكان النبي صلى الله عليه وسلم في أول الأمر يذهب إلى أبي بكر طرفي النهار، والإسلام إذ ذاك ضعيف، والأعداء كثيرة، وهذا غاية الفضيلة، والاختصاص في الصحبة.

وأيضًا فكان أبو بكر يَسمُر عند النبي صلى الله عليه وسلم بعد العشاء، يتحدث معه في أمور المسلمين دون غيره من أصحابه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت