وأيضًا فكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا استشار أصحابه، أوَّل مَن يتكلم أبو بكر في الشورى، وربما تكلَّم غيره، وربما لم يتكلَّم غيره، فيعمل برأيه وحْده، فإذا خالفه غيره، اتَّبع رأيه دون رأي مَن يخالفه.
المطلوب أن الصِّديق أكمل القوم وأفضلهم، وأسبقهم إلى الخيرات، وأنه لم يكن فيهم من يساويه، وهذا أمر بيِّنٌ، لا يشك فيه إلا من كان جاهلًا بحالهم مع الرسول صلى الله عليه وسلم أو كان صاحب هوًى، صده اتِّباع هواه عن معرفة الحق، وإلا فمَن كان له علم وعدل، لم يكن عنده في ذلك شك، كما لم يكن عند أهل العلم والإيمان شك، بل كانوا مُطبقين على تقديم الصِّديق وتفضيله على مَن سواه، كما اتَّفق على ذلك علماء المسلمين وخيارهم من الصحابة، والتابعين وتابعيهم، وهو مذهب مالك وأصحابه، والشافعي وأصحابه، وأحمد وأصحابه، وداود وأصحابه، والثوري وأصحابه، والأوزاعي وأصحابه، والليث وأصحابه، وسائر العلماء الذين لهم في الأمة لسان صدقٍ.
أيضًا ففي المواضع التي لا يكون مع النبي صلى الله عليه وسلم من أكابر الصحابة إلا واحد، كان يكون هو ذلك الواحد، مثل سفره في الهجرة، ومقامه يوم بدر في العريش؛ فلم يكن معه فيه إلا أبو بكر، ومثل خروجه إلى قبائل العرب يدعوهم إلى الإسلام، كان يكون معه من أكابر الصحابة أبو بكر.
وهذا الاختصاصُ في الصحبة لم يكن لغيره باتفاق أهل المعرفة بأحوال النبي صلى الله عليه وسلم وأما من كان جاهلًا أحوال النبي صلى الله عليه وسلم أو كذابًا، فذلك يخاطب خطاب مثله.