.ـــــــــــــــــــــــــ
هذا القول الأول وهو قول الجمهور.
القول الثاني: وهو قول أبي علي النيسابوري وبعض المغاربة:
..... وبعض الغرب معْ ... أبي علي فضلوا ذا لو نفعْ
كلامهم طيب ولكنه لا ينفع؛ لأن الجمهور على خلاف، الجمهور أيدوا كلامهم، أولا الواقع يقتضيه، يعني لو بحثنا أحاديث الكتابين، لوجدنا الواقع كما هو، الإمام البخاري نفسه ومسلم نفسه، يعني البخاري ذاته ومسلم ذاته، لو رجحنا بين المؤلفين، لما كانت هناك نسبة بين البخاري ومسلم، حتى قالوا: لولا البخاري ما راح مسلم ولا جاء. البخاري إمام الصنعة، ومسلم تلميذه وخريجه، فالبخاري أرجح.
قد يقول قائل: إن ترجيح المؤلف لا يعني ترجيح المؤلَّف، بعض الناس عنده علم عظيم، أعلم من غيره، لكن إذا كتب تجد الكتابات دون المستوى، ولا يعني هذا أن كل كتاب مقرون بفضل مؤلفه، هذا الأصل أن الأثر مقارن للمؤثر، لكن يبقى هناك أمور استثنائية المؤلف يضعف فيها عن مستواه العلمي، وهذا شيء مشاهد.
هناك أوجه للترجيح؛ لأن مدار الصحة على ثقة الرواة واتصال الأسانيد، والبخاري كتابه أوثق رواة وأشد اتصالا، وبيان ذلك أن الرواة المتكلَّم فيهم في صحيح البخاري أقل من الرواة المتكلم فيهم في صحيح مسلم، ولا شك أنه كلما قل العدد ارتفعت الكفة، وكلما ارتفع العدد هبطت الكفة، الأحاديث المنتقدة في صحيح البخاري أقل من الأحاديث المنتقدة في صحيح مسلم، وهذا كسابقه، قالوا: صحيح البخاري أسانيده أشد اتصالا.
وهذه المسألة (مسألة اشتراط البخاري للقاء واكتفاء مسلم بالمعاصرة) والنزاع الطويل الذي حصل فيها ويحصل وما زال يكتب فيه بقوة يأتي تفصيله -إن شاء الله تعالى-، لكن أهل العلم اعتمدوا على هذا، ورجحوا صحيح البخاري لأنه يشترط هذا الشرط إن ثبَت عندهم، وأنا لا أشكك في هذا بقدر ما أترك المسألة لجو يوطنها ويوطئها لبحثها مستقبلا -إن شاء الله تعالى-، بهذا رجح صحيح البخاري على صحيح مسلم.
أبو علي النيسابوري هو إمام من أئمة المسلمين، في ترجمته يقول الحافظ الذهبي: من عرف حال هذا الرجل جزم يقينا أن المتأخرين على يأس تام من لحاق المتقدمين.