"أما": حرف شرط، و"بعد": ظرف مبني على الضم قائم مقام الشرط، وجواب الشرط ما بعدها مما يقترن بالفاء؛ لأن"أما"لا بد أن يقترن جوابها بالفاء، وهنا مما يعتذر به للناظم أن النظم قد لا يطاوع، وارتكب في النظم من الضرورات ما لم يرتكب في النثر، المقصود أن الاقتضاء إنما يتم بقولنا:"أما بعد"ن و"أما بعد"اختلف أهل العلم في أول من قالها، على ثمانية أقوال يجمعها قول الناظم:
الخُلف في"بعد"من كان بادئا بها ... عد أقوال وداود أقرب
ويعقوب أيوب الصبور وآدم ... وقس وسحبان وكعب ويعرب
والأكثر هو على أن أول من قالها داود عليه السلام، وهي فصل الخطاب الذي أوتيه، والمقصود أنها سنة يسن الإتيان بها في المراسلات وفي الخطب، ولا يقوم غيرها مقامها، ولا تحتاج إلى"ثم"قبلها، وإن استفاض على ألسنة بعض من ينتسب إلى طلب العلم حينما يقدم يأتي بالحمدلة والصلاة،"ثم أما بعد"لست بحاجة إلى"ثم"ولا يوجد في النصوص هذا العطف، إن احتجتها ثانية للانتقال من أسلوب بدأته بـ"أما"بعد المقدمة، إن احتجت إلى الانتقال إلى أسلوب آخر تأتي بـ"ثم"، تعطف عليها.
ولا أعرفها في مصنفات المتقدمين إلا في نسخة من تفسير الطبري، نسخة خطية من تفسير الطبري وإن اعتمدها محمود شاكر الذي حقق الكتاب، وهو من كبار المحققين، وعلى كل حال العبرة بما ثبت عن النبي -صلى الله عليه وسلم.
"وبعد إن أشرف العلوم": لا شك أن العلم إنما يشرف بشرف المعلوم بعد"كتاب الصمد القيوم"يعني: بعد كتاب الله - عز وجل - الذي هو أشرف الكتب، وفضله على سائر الكلام كفضل الله - عز وجل - على خلقه، ولسنا بصدد بيان فضل القرآن والعناية بكتاب الله -عز وجل، ذاك له مناسبات أخرى ولا إخال أحدا من الحاضرين يخفى عليه ذلك، لكن الكلام في"ما بعد كتاب الصمد القيوم"وهو علم الحديث.